٩٦ سنة جورج خضر

٦ تموز ٢٠١٩

جورج خضر الرائي، عَبَرَ اليوم عتبةَ السادسة والتسعين من عُمْرِه. مضى في طَلْعّتِه إلى الرهبنة، لكنّه عاد وعاش الرهبنة في العالم ، بل كان كاهنا مترهِّبًا في صومعته في الميناء البحريّة دون أنْ ينسى العالم. لم تُبْعِدْهُ الرّعايةُ ورئاسةُ الكهنوت لأبرشيّة جبيل والبترون وتوابعهما، عن تظهيرِ رؤيتِه للآتي بإلهاماتِ الرّوح. صارَ جورج خضر الكتابَ لِنَصِرْهُ، وَصَرَفَنَا بإضاءاتِهِ الكتابيّة عن وجهِه إلى وجهِ الباري. مَنْ يتأمل مسيرتَه التسعينيّة، من طرابلسَ إلى العالم، وما أطلَّ به على المسيح الكوني، يرَ البونَ بين ما نَفَضَ عنه الغبارَ والتأملَ في ترجَماتِ حضورِ الكنيسةِ في العالم، وبين ما ذَهَبْنا إليه اليوم ليصيرَ الشّوقُ مُلِحًّا إلى ذاك اللهبِ في أربعينيّات القرنِ العشرين . لعلَّ التزامَ المؤمنين الخُلَّصَ شؤونَ العالم وخدمةَ المنكسرين سيبقى خلاصَ الكون بناسِه وخلّانِ الملكوت الّذي يقوم فيما بيننا. أدبياتُ المطران جورج خضر وما تركه من إرثٍ، لم يَقُل يومًا عنه إنّه الجديد أو المبتكر، إنّما هو التقليد وما استلمناه. عاش جورج خضر في شوق دائمٍ إلى من كانَ له في حياتِه ويومياتِه. لعلَّهُ استطاب الإقامة هناك مُذ كان، وببركات المولى ستطول.

وفاء أنطون

١٣ نيسان ٢٠١٩

إلى وفاء
كان العرسُ رائعًا قلت لي، تلك الليلة التموزيّة في الصيف الماضي، ومن حينها وعيناك تصبوان إلى العرسِ السماويّ، وقد صرتِ إليه مع ذاك العريس الذي انتظرتِه في صلواتِك فارتضاكِ في موطنهِ لتسبحي في نهر من البلّور.
لم يكن رحيلك منتظرًا بهذه السرعة يا صديقةَ الطفولة ورفيقةَ العمر الذي لا ينتهي. كان سلامك صباحًا يسبق سلامَنا طيلة ثلاث وثلاثين سنة من العمل التربوي، وكنتِ، إذا تقاسمت عائلتانا لقمةَ الخبز في بيتك أو بيتنا، يغمرُك الفرح ، لأنَّ المحبةَ كانت تقاسُ بذَهَبِ تلك الأيام إلفة و"وفاء".
ما زالَ صوتك يرنّ في مسمعي كلّما قرأتِ شيئًا لي، ولعلّك تنتظرين اليوم ماذا سأكتب عنك؟ وأعرف أنك ستقرأينَ وتبتسمينَ من عليائك كما أعرفُ أنَّ صلواتِك من فوق ستزيدُ أولادنا ثقة ببركات العليّ النازل قلوبنا وأفئدتنا.
أعرف أنّ الضياء، الذي من فوق، الساكن في قلبك ورئتيك ، اجتاحك كما في محبتك لـ"ضياء" و"ميراي" و"ألكسي" والأحفاد. هذا الإيمانُ هو تعزية العارفين المستنيرين، وقد قادنا صوتُ العزيز "ريمون" إلى عتبات الملكوت ودخلتِهِ قبلنا.
هكذا يرحل المحبّون، خطوة خطوة، كي لا نَعْثُرَ نحن في حزننا. نعتاد على فكرة رحيلهم ليبقَوا حاضرين فينا وقائمًا في نورانيّة من ملأ الكون نورًا من نور. تقومين اليوم من عتمة الدنيا إلى ذاك النور الذي لا يغرب. كلّ غروب يحمل انفجار الصبح في دواخله، لذا كنتِ من أولئك الذين إن قرأوا أبجدية الحبّ عشتِها وصرتِها بمودّة لا يعرفها إلّا الأنقياء الأتقياء، في احتضان لعائلاتهم، والسؤال الدّائم عن أحوال الأصدقاء والرفاق. سنفتقد سؤالك كما ستفتقدك قلوب العائلة والعزيز "كوستي" الذي نَعِمَ برعاية لم يرَ فيها إلّا صورة أمّكما وهي تستقبلك عند المداخل السماوية الطيّبة.
ادخلي العرسَ السماويّ في موكب الشّعانين إلى المدينة المقدّسة، وتهيأي لاسبوع الآلام كيما تذوّقي القيامةَ

درج الجامعة

١٨ اذار ٢٠١٩

كان هذا الدرج صديقنا يوم كنّا نختصر به الدّرب إلى كلّية الآداب بالقبة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لنقتصد من النقود المعدنيّة يومها.
في تلك الأماسي، كنا نلتقي في ساحة التلّ بعد الظهر : أنا وجوزيف خوري من الميناء وعمر عثمان من المنية وعلي الأيوبي، رحمه الله، من الكورة لنقطع ساحة النجمة وصولّا إلى النهر ثمّ نأخذ الدرج صعودًا، نحضر الدروس ونعود إلى الدرج نزولاً وعبورا إلى "تلّ الرمل" قبل أن نفترق كحبّاته.
على هذا الدرج حملنا أحلامنا زمني الحرب والسلم، جوزيف شغلته الوظيفة ومراجعات الناس، فيما الثلاثة الباقون التقوا بعد نيل شهادة الدكتوراة في اللغة العربية في أروقة كلّية الآداب وبحر العلوم قبل أن يجرف البحر "عليًّا" بعيدًا.
ما زالت هذه النوافذ والأبواب، كما غيرها في البيوت المنتشرة على طول الدرج، في أعيننا حارات "عاجقة" بالطيبين الطرابلسيين، وكانت أحلامنا تصعد معنا متألقة وتعود لتنزل معنا منكسرة عند سماع صوت رصاص أو انفجار. آمن بعض من جيلنا بالكتاب فانتصر الحرف، فيما راح من راح وبقي من بقي، وما زالت شبابيك العمر مشرّعة بوجه الريح.

( الصورة للبيت القديم من تصوير الصديق waleed farah soufi)

محسن ادمون يمّين

لمناسبة بلوغه السن القانونية

١ آذار ٢٠١٩

كطيور أيلول حلّق محسن ادمون يمّين بمحبرتيه من ضياء إلى دوحة من العطر جديدة. اقتحم محسن يمّين فضاءات لا تعرف حدودًا، كالشهب حين تخترق الأزمنة والأمكنة، لأنّ الكون مداها والمساحات المتحرّرة ملاعبها كما في لمحة عين تعبر وادي قاديشا.
بَلَغْتَ محسن السنَ القانونية، فغادرتَ المكتب الرسمي لتكون في حضرة الكتاب وأعين متابعيك. هذه رتبة الحضور الإسراري الخفي التي تربط الكاتب والقارى بحبل سرّي، لعلّ المطالعة والكتابة لا يطبّق عليهما مبدأ قطع الحبل السرّي أو الفطام، لأنّ العمر في الكتابة يبقى في حيوية طفوليته وشيطنة نصوصه.
يأتي محسن ادمون يمّين من الصورة بالأبيض والأسود، يلوّن الوجوه بريشته مستخلصًا أبجديّة متفلتة من القيود، يُنزلها موطنه، يكرّسها وفق طقوس كتابته في استحضار ما فات من الأيام الخوابي في قادوميات العمر العتيق.
محسن ادمون يمّين يملك مفاتيح جماليات فنّ الكتابة، ويتقن شغل ترصيع العربية وتذهيب انحناءات أحرفها كحنيات العقود القديمة. سحر قلم محسن أنّه من "جبال الصوّان" و"أيام فخر الدين" والعمر اللي كان. هو حارس الذاكرة ومدوّن الخاطرة العابرة ما بين اضطراب شريان ختيار ورجفان أصابع مختار. يلملم الحكايات قبل أن تدخل النسيان، يسجّلها بعفويتها لأيمانه أنّ سقوط بدايات الريف يعني سقوط الوطن.
محسن ادمون يمّين الذي لا يتعب من الكتابة لم يذهب ليرتاح، بل خرج إلى مواسم الحصاد. الغلال متوافرة والفعلة بالقلم قليلون.
من يمتلك الريشة يعرف أنّه كاتب ما كان وما هو الآن وما سيكون. هذا الرائي المحسن إلينا وعلينا بأوراق الذكرى قبل مجيء الخريف يعرف أنّ الجياع للمعرفة ما زالوا يتامى ، ويعرف أنّ ما يكتبه يعيد به رسم خارطة العالم الذي ما عاد يكفي العاشق والمتوتر.
لم يمرّ العمر بعد ولم تنته أبجدية الكلام. محسن ادمون يمّين مشروع إرث ثقافي مع القائمين بأرشفة منطقة الزاوية وطرابلس والشمال. هو جامعٌ وناقدٌ ومحققُّ وصائدُ الكلمة الحلوة والعارف أنّه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ.
محسن إدمون يمين قرأتَ كثيرًا فكنتَ الكتاب السائر بيننا. لعلّك آمنتَ بأنْ تأكلَ الكتابَ، ومن كثرة مطالعاتِك للكتاب.. صِرْتَهُ.

جوزيف عكاري

٢ آذار ٢٠١٩

قدم آل عكاري من إنطاكية واستقرّوا في عكار، حيث ولد عبدالله الذي انتقل عندما شبّ فتيًّا إلى الميناء وحمل لقبه معه.
اشتغل عبدالله موظفًا في شركه الترابة في شكا التي تأسست العام ١٩٢٩، و تزوج من ثريا الصوري وأنجبا: الدكتور جورج (1934- 2005) ، جوزيف(1936-2005)، ليلى، جوليات.
تخرّج من مدرسة مار الياس ، ليعمل في شركة" كهرباء لبنان"، ولاحقًا في مستشفى قريبه الدكتور وهيب النيني(1896-1995) .هناك تعرّف على زوجته الممرضة جانيت طعمه وأنجبا:كريستيان، عبدالله، ثريا، نبيل.
مع اندلاع الحرب اللبنانية العام 1975، هاجر للعمل في دبي مع أقربائه آل قبرصيه، ثم عاد ليعمل في شركه مقاولات لآل كرامي، ولما تقاعد حلّ محله ابنه الأكبر عبدالله ليعود إلى الجلوس في السوق القديم يستذكر، مع رفاق صباه، أيامًا ولّت.
سكن مع عائلته في بيت يطلّ على البحر، كرغبة كلّ أبناء الميناء، يراقب كيف تبرّد الشمس حرارتها كلّ مساء في الأفق مقابل مصطبة بيته. هذا الغروب كان مؤلما يوم تزوجت ابنته "ثريا" وانتقلت إلى أميركا. صار الغروب مرًّا، وقبل رحيله هاتفته ليناضل إلى حين وصولها، و فعلاً أبت عيناه أن تغمضا إلا بعد وصولها، ليرحل مطمئنا كصدفة عادت إلى قعر البحر ....لتحيا.

كامل درويش هاجر

(١٨٩٢-١٩٧٤)

٢١ شباط ٢٠١٩

من أصحاب الرؤية ومن الاقتصاديين الاوائل من الميناء . تولّى مسؤولية تطوير معمل الأحذية الذي أسسه والده عام ١٩٠٢، وأعطاه جهده بعدما توفي والده وشقيقه الأكبر عام١٩١٢، فتوسّع في أعماله منطلقًا من الميناء إلى البلدان العربية، بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أسس محلات أحذية هاجر في طرابلس وحمص واللاذقية وطرطوس وانطاكية.
أصدر جريدة الصناعة الوطنية عام١٩٣٣ لتشجيع الصناعة الوطنية ومحاربة البضائع الأجنبية وتوعية العمال والمحافظة على حقوقهم، من هنا رفض كامل هاجرإدخال المكننة إلى صناعة الأحذية حفاظًا على اليد العاملة واستمرار عملها.
شارك في الكثير من النشاطات الاجتماعية في الجمعية الخيرية وجمعية مكارم الأخلاق وانتسب إلى حزب الشباب الوطني ثم إلى حزب النداء القومي وناضل مع لجان نصرة فلسطين.
كامل درويش هاجر، كان "كاملًا" في صناعته، "درويشًا" مع عمّاله وبقي في مدينة الميناء، راسخًا في أزقتها، رابضًا على بوابتها. لو يقتدي بثباته الاقتصادي والوطني كثيرون، ببقائه هنا واستثماره ورعايته العمال فما تقاعس وما "هاجر".

جرجس بن يوسف نعوم

( 1844 - 1895 م)

١٦ كانون الثاني ٢٠١٩

ولد في الميناء وفيها توفي.
فقد بصره وهو في الثالثة من عمره، فنشأ كفيفًا، ولكنه كان شديد الذكاء، متوقّد الذهن، فعكف على درس اللغة العربية وآدابها سماعًا، فبرع ونظم الشّعر.
حال كفُّ بصره دون انتظامه في تعليم مدرسي، فلم يرسله والده يوسف إلى المدرسة ، بل أحضر له الخوري نعمة الله النجار ( المتوفّى عام ١٨٧٤) ، والخوري إلياس المر ( ١٨٤٤-١٩٢٣)، والخوري مكاريوس الرملي، فأخذ عنهم قواعد اللغة العربيّة وآدابها على السماع .
كان شاعرًا يميل إلى الوصف، واستحضار الصورة، خاصة ما كان من وصفه للطبيعة في لبنان وسورية في أثناء فصل الربيع، إلى جانب شعر له في المناسبات والتهاني، وتقريظ الكتب. كتب التأريخ الشعري، وله شعر في التضرّع إلى الله تعالى، والثناء عليه سبحانه بما هو أهل له، وكتب في المدح والرثاء .
كان على صلة بأدباء طرابلس - على الرغم من عزلته - يراسلهم، ويرصد أعمالهم مقرّظًا، وكان له رأي في الوقائع والأحداث السياسية في زمانه.
الإنتاج الشعري:
- له ديـــوان (مخطــوط) عنــوانه: «تحفــة الإخــوان وهــدية الخلاّن» فــي ثلاثــة أجــزاء.
الأعمال الأخرى:
- له عدد من الروايات (المسرحيات) المخطوطة، منها: «المروءة والوفاء» «مثّلت في طرابلس» (مفقودة)، و«الكونت دي مونغوميري» (مثلّت في طرابلس)، و«السيد» (مسرحية)، إضافة إلى عدد من المقالات والرسائل.
(معلومات من دراسة للباحث مارون عيسى الخوري في مجلة "همزة وصل"العدد ٢٣-حزيران ٢٠٠٩ ومن مصادر أخرى).

صوفيا يعقوب شاهين - أم جان

(١٩٢٧-كانون الثاني ٢٠١٩)

١٣ كانون الثاني ٢٠١٩

أم جان"، كم كان يسرّها هذا اللقب. الجارة صاحبة الابتسامة التي لا تفارقها كلّما التقيتها. عاشت حياتها الطويلة راضية مرضية. لم تهدّها مصاعب الحياة بعد وفاة زوجها تاركًا لها ثلاثة صبيان ربَّتهم بدمع العين، فلا عجب إن رأيتها تكتّف ذراعيها ، وهي سائرة، تضمّهما إلى صدرها في اتكال واضح على الله تعالى الذي كانت منصرفة إليه في ورعٍ وتُقى.
كانت لها أزقة الميناء، وهي الآتية من قرية جبراييل في عكار، حجرًا وبشرًا، سهل حياتها وبساتينها، تقوم بدورتها الصباحيّة أو المسائية، فتلتقي الكلّ ، تشاركهم جلساتهم أمام مصطبات بيوتهم، وتقف الى شؤونهم وشجونهم دون أن تنسى العبور أمام كنيسة ما جرجس التاريخية(١٧٣٢م)، تقبّل الإيقونات القديمة، وترفع عن الحزن عن المدينة بالدّعاء لأهل الميناء جميعًا.
كانت تعرف شاطىء بحر الميناء، قبل أن يقوم الكورنيش البحري، وكانت تعرف عادات أهل الميناء، في شهر الصيام الكبير وفي شهر رمضان الكريم، وكانت تتقن التقاليد المحلّية الميناوية، فتشارك في إعداد موائد الإفطار في منازل جيرانها وتبادلهم الودّ ، كما كانت تنتظر منتصف ليلة الغطاس لتغسل عينيها بملء البحر الذي يحلو ليلًا.
من هذا البحر المالح كتبت"أم جان" ، كسائر عتاق أهل الميناء الذين عاشوا في القرن العشرين حكايات هذا الثغر البحري ، بحلوها ومرّها، لكنّها تحمّلت وتكابرت فأحبّت الجميع، فهي مؤمنة بأنّ الميناء باقٍ على عفويته، بعمّاله وصياديه، بحرفييه وماهريه.
حين رزحت "أم جان" تجمّع أولادها وأحفادها كأغصان الزيتون حولها، فكانت لهم البركة وحنطة السماء. وحده ملح البحر سيحفظ ذكراها في بال من عرفها، حكاية من حكايات البسمة التي تبقى بعد هطول المطر على قوس قزح أو "تنين" (إعصار) بحري مرّ في خاطر هذا الشاطىء وجهًا رضيًا ك" أمّ جان".

حنا (جان) طنوس - الرّسام العالمي

٩ كانون الثاني ٢٠١٩

حين جاء ميخائيل طنوس من جبيل، في أربعينيات القرن الماضي، ليعمل في سكة الحديد لم يكن يدري أنّه يؤسس لعائلة (٥ بنات و٣ صبيان) سيتوزّع أفرادها من سكنهم في الزقاق، خلف مبنى بلدية الميناء القديم، إلى العالم.
جاور آل طنوس عائلات الدقور والديك وعرب والمتني والأسمر وبنضو وكالوسيان وكرم وأم علي وغزول وعطايا وغيرهم في مودّة وعفوية.
برزت موهبة ابنه حنا طنوس ، المولود في الميناء عام ١٩٤٦ في الرسم ، وكان ساحرًا في تحويل الورق الأبيض إلى وجه أو منظر طبيعي. علّم ٧سنوات في مدرسة اليسوعية، وسنة ونصف في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية قبل اندلاع الحرب الغادرة التي خربت الأحلام ، وزادت العائلات المغادرة. اجتاح الجنون المراسم والمواسم، "ومضى كُلُّ إلى غايته" ما بين اوروبا وأميركا ، وقيل حينها إنّ "حنا" يرسم في "المونمارتر" في باريس.
حين زرت باريس قصدت "مونمارتر"، بحثت في وحوه الرسامين عن وجه"حنا" التقريبي فلم أجده. حاولت أن أتلمسَ رطوبةَ بحر في ملامح رسامٍ أو تجعيدات ذكريات مالحة فلم أوفق.
"ومرّت الأيام ودارت الأيام" قبل أن يتصل العزيز فضل زيادة بي، في الصيف الماضي، ليربطني برسام من الميناء يزوره في محترفه، وكان" حنا".
هو لا يعرفني ولكني سردت له ما في ذاكرتي، وفهمت أنه منذ سنوات ترك باريس عام ٢٠٠٢ ، بعد أن عاش فيها منذ عام ١٩٧٥، وانتقل إلى مونتريال، كندا حيث أولاده.
سألني عن الميناء التي كان يرقبها بعينيّ العاشقين من محترف "زيادة" في "دده"، ووعدني بزيارة خاصة لزواريب الشيطنة البحرية ثم تابع الاتصال من "بوسطن" حيث يقيم أخيه "إبراهيم"، ناشر جريدة "بروفايل نيوز" حيث استعرضا معًا ذكريات أيام طفولتهما في أزقة الميناء وشوارعها مع جورج شلهوب واسبيرو روحانا وكابي وميشال ارناؤوط وبشارة ووديع بركات وغيرهم.
لم التقِ "حنا"، ولم يلتقِ هو من جديد بأزقّة عمره، لكنه ما زال رسمًا في البال والخاطرة. "حنا" ككثيرين، ألفوا رطوبة الميناء فأبدعوا فنونا ليصير العالم أجمل.

حبيب روادي ١٩٢٩-٢٠١٩

٧ كانون الثاني ٢٠١٩

رحل، اليوم، الهادىء الأنيق في صمته. هو الخارج من قلب "زقاق الطاحون"، حيث البيت الموزّع غرفًا حول باحة من الرّخام، وحديقة تلفُّ الدّار في اصطفاف تنكات "الحبق" وغيرها على أطراف ممرّات العبور إلى الدّاخل، حيث "لولو" الحانية على المتوجّعين.
جمع "أبو جورج "في شخصيته ملامح التطوّر الاجتماعي للميناوي الأصيل، فتراه في مفهوم الوظيفة جامعًا للعلم والإتقان، وتراه في مسرى يومياته، رفيق أصدقائه في مقاهي المدينة متحدّثًا، دافىء اللسان، في شؤون وشجون الثغر البحري.
ولما انتقل سكنًا إلى أولى البنايات الحديثة لم يستطع الخروج من الأزقة القديمة، فكنت تراه في الحيّ القديم يطمئن على آل سمنة وجباضو وعرابي وعبد الوهاب وغيرهم من العائلات الّتي شكّلت نسيج الميناء الّذي صمد في وجه كلّ التحدّيات.
كثيرًا ما رأيت "أبو جورج "كشأن كلّ أبناء الميناء، تحت شجرة من أشجار "الفوكس"، جالسًا في مقعد سيارته فاتحًا بابه ، مستغرقًا في سحبة نوم لدقائق يحبّها كلّ أهل الميناء يوم كانت تهبّ عليه نسائم منعشة من الجهة الغربيّة، بعد أن تنقّيها بساتين الليمون من غبارها قبل قيام الحاجز الغربي الباطوني ليختنق الثغر البحري.
حبيب أروادي، عجنته الدنيا، وجرّبته وامتحنته فكانت عيناه تفيضان بالرضا لله تعالى، فلم ينقطع عن صلاة، وعن تأمل إيقونة ليلمح وجهَ الابنَ الذي افتقده الله به في غربة قَسَتْ عليه، وكانت عناية زوجته “ألما" وبناته الثلاث "ماري"و"جولي" و"ريتا" تعزية له في زمن الوجع المزمن.
صار "حبيب" في غمضةِ عينٍ لا ترتجف، وفي ميناءٍ غير عاصف، آمنٍ وسالم، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد إنّما حياة لا تفنى.

محمد احمد الحافي الغندر 1929 - 2008

١٧ كانون الأول ٢٠١٨

من مواليد يافا-فلسطين، تعلّم في مدارس يافا ثم أكمل تعليمه في القدس.
حاز شهادة G.C.E البريطانية، وبرز تفوّقه باللغة الانجليزية. نزح من فلسطين، في نكبة 1948، الى لبنان مع عائلته في مدينة الميناء ( الأسكلة).
مارس مهنة التعليم في مدرسة مارالياس، أوائل الخمسينيات، خلال تولي الاستاذ مكاريوس موسى ادارة المدرسة لينتقل إلى مدرسة دايفد كرم المعروفة ب( ملحم )، يوم كانت جانب سراي طرابلس .
انتدب منسقًا للغة الإنجليزية الى بلدة طليا البقاعية حيث المختبرات والمزارع التابعة للجامعة الأمريكية في بيروت ( AUB )،
والجدير ذكره ان العديد من تلامذته في مدرسة مارالياس برزوا في العديد من المجالات، نذكر منهم الياس غصن سفير لبنان السابق في اثينا ( اليونان )، وروبير خوري سفير لبنان السابق في مدريد ( اسبانيا )، وادوار عتال في ( أميركا )، كما عرف بانه أحد نجوم فريق الرياضة والأدب النادي الطرابلسي العريق .
شارك في العديد من المباريات التي خاضها النادي في لبنان وسورية والاردن. تزوج من عائلة الصالح الميناوية، وأنجب ولدًا وحيدًا، علمًا أنّه ظلّ يمارس مهنة التعليم الخاص (اللغة الإنجليزية ) حتى وفاته.
محمد الناطق بالإنكليزية سبق عصره لمعرفته أنّها الغالبة في زمن العولمة الاقتصادية. علّمها لكثيرين وكان يعطي دروسّا خاصًة، كان موسوعة لغوية انكليزية تتنقل في أزقة الميناء يملّح الألسنة الميناوية بالكلمات الأعجميّة. كثيرون يتذكّرونه تمرّسًا بلغة طغت اليوم وسبق حضورها الكاسح برؤيته لانتشارها قبل أكثر من خمسين سنة.

خضر ريما

١٤ كانون الأول ٢٠١٨

الحاج خضر ريما أبو ناصر.
مواليد الميناء (1931-2006) . بنى بإبرة الخياطة عائلة مؤلفة من ست فتيات وشاب. هو من احدى العائلات الميناويّة العريقة والحاضرة في حياة الميناء.
حين تزوج الحاج خضر عام 1956 سكن في حي الرملة حيث الحمام المقلوب حاليًا، لكنّه كان يعبر يوميًّا الممرات الميناويّة، ليصل إلى محلّه في سوق الخراب الذي كان عامرًا سابقًا، قبل أن يعود خرابًا، وخاليا من الصناعات الحرفيّة التي كانت تنتشر في محلاته المقفلة الآن، والمهجورة.
كان الحاج خضر يعمل بصمت مع جيرانه الخياطين جميل عبد ونقولا تاجر وجورج جراد وميشال قطرميز وغيرهم،". لم تكن تسمع إلّا صوت ماكنة الخياطة وخبطة المكواة على أطراف البنطلون أو مفاصل الجاكيت لطيّها وتظبيطها.
في ذلك الزّمان كانت الموضة أن تفصّل البذلة وخاصة قبل موسم الأعياد، لذا كان الحاج خضر في آخر اسبوعين من شهر رمضان الكريم يمضي أيامه في دكانه، ويرجع الى المنزل على السّحور كما كان في ليلة العيد، بعد تسليمه كلّ الألبسة لأصحابها، يرجع الى المنزل وفي يده طقمه الجديد.
منذ سكتت آلات الخياطة اليدوية لم يعد أحد يعيد خياطة تاريخ الميناء. وحدها الذكريات تنسج حكايات ما فات ، كي يبقى حيًّا ما ظنّ كثيرون أنّه قد مات.

نحن والقمر جيران

١٣ كانون الأول ٢٠١٨

ثمانون سنة تقريبًا على هذه الصورة أمام الرصيف الذي يقوم عليه اليوم قصر الميناء البلدي، تبدّلت الوجوه والأشياء والدروب.كانت الناس تغزو المفارق والساحات فغزتها اليوم السيارات الآليات.
سقط الشاطىء رويدًا رويدًا فالتقدّم سريع ولحظة الآن تصير بعد لحظة قديمة.
كانت القناطر الحجرية ترتفع بكبرياء فوق مطلّات البيوت والمحلات قبل هجوم الباطون، وكان الخشب يتعالى بغنج تحت الشرفات بحسب العمران التركي، فسقط الخشب ليرتفع الحديد لتختفي مهارة الحرفيين الذين بنوا ورفعوا جمالا عمرانيا فوق جمال.
كان القمر ينزل كل ليلة يسهر مع الصّيادين على ذلك الشاطىء الوارف ملحًا ورطوبة، ما عاد القمر يتعلّم السباحة في جورة "العبد" أو "المطران"، ولم يعد يستحم في "الحمام المقلوب" منذ انقلاب العالم الحضاري على الجبال والتلال والسهول والشواطىء.
هي ضريبة الحضارة المتداعية على إنسان اليوم. وحدهم أصحاب القلوب الملأى بهدايا ميلاد الذكريات باقية على شوقها إلى ما مضى.
تحمل فرحها إلى تلك الأيام الخوالي مقبلة على حياة اليوم بعفوية الذين رحلوا، وبساطة من عبّد الدروب حبًّا وعطرًا وقناديل بحر تضيء عتم الرحيل.

بؤبو عين الذكريات

١٢ كانون الأول ٢٠١٨

لكلّ زاروب حكاية، ولكلّ قنطرة رواية تنتظر من يكتبها على حيطان الزوايا.
أتوا إلى الميناء من الأماكن كلّها؛ من مرسين وانطاكية والاسكندرون والأناضول والجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين، ومن اليونان وجزيرة كريت وايطاليا وفرنسا وغيرها وسكنوا هنا على هذا الشاطىء البحري الهادىء، وبنوا مدينة بحريّة وكتبوا بوجوههم وزنودهم تاريخها وشهدوا لها.
حملوا الميناء في قلوبهم أنّى ارتحلوا، وغسلوا بالملح أعينهم لتبقى فيهم. كثيرة هي المدن التي تدخلها وتخرج منها، إلا الميناء تدخلها ولا تخرج منك. تأخذ رطوبتها وملوحتها لتواجه برد العالم وحلاوة إغراءاته. لا تعنيك الأبراج والناطحات، إذ كلّها لا تساوي عند ابن الميناء جلسة عند البوابة، أو على المشتي، أو فوق الريح.
وعلى الرغم من أنّ الريح أخذت ابن الميناء إلى القارات الخمس إلا أنّها لم تستطع أن تُخرِجَ مثل هذا الزقاق من تلافيف عقله وبؤبؤ عينيه.
صار هذا الزقاق معبره إلى العالم و.. الذكريات.

( مفرق من زقاق، قبل سينما راديو يوصلك إلى ساحة الترب ، مار جرجس)

سليم بن يوسف دياب

١١ كانون الأول ٢٠١٨

مواليد الميناء 1848-1895 .
أرسله والده يوسف دياب مدرّس اللغة العربية إلى الكلية الأمريكية في بيروت حيث درس سنوات ليدخل القسم الطبي فيها، ويتخرّج منها طبيبًا ممارسًا مهنته في الميناء عام 1870 ، وكان من أساتذته المستشرق الأميركي الهولندي الأصل، مؤسس كلية الطب كُرنيليوس فان ديك (1818-1895) الذي اشترك مع المعلم بطرس البستاني (1819-1883) بترجمة الكتاب المقدس الى العربية.
أحبّ الأدب، فنشر بعض المقالات في مجلة الجنان للمعلم بطرس البستاني ، كما وضع بحوثا عن المتنبي.
سافر الى الاسكندرية وعمل هناك في الطبّ والأدب. له قصائد عديدة . هو صاحب الأبيات الشعرية المنقوشة على بلاطة رخاميّة لنصب البطل يوسف بك كرم (1823-1889) في إهدن.
توفي في الإسكندرية عام 1895 تاركًا الكثير من القصائد التي لم تبصر النور في ديوان، ومقالات كثيرة منشورة في الصحف.

الميناء في استراليا

٨ كانون الأول ٢٠١٨

لمناسبة تدشين بيت الميناء في استراليا الأحد ٩ كانون الأول ٢٠١٨:
يحملون الميناء في أعينهم، فيما قلوبهم تهفو لتغتسل بماء السقالة قبيل رحيلها.
ها هم فيما يفتتحون بيتًا لهم خلف المحيطات تصبو مشاعرهم إلى "البوابة" و"المشتي" و"الحمام المقلوب" وخلف الخان وساحتي الترب.
هم لا يستبدلون مدينة بحريّة ببيتٍ خلف المحيطات، بل يرفعون في قلوبهم ليالي الطفولة، وسهرات الأحياء، وأمسيّات الودّ المرتاحة كتنكات الحبق والنعناع أمام مصطبات البيوت ومداخل حدائقها.
هم فرحون بأنّ حنين بحر الميناء غلب شوق المحيطات ، وصارت جزر "البقر" و"الرميلة" و"البلان، و"الأرانب"وغيرها قلائد من ذهب لتلك الأيام التي رحلت ونزلت نبضًا في شرايين المغتربين.
يا بيتًا يفتتحه أبناء الميناء في استراليا يأوي صورهم العتيقة ووجوه الأجيال التي وَصَلَت ألى تلك الجزيرة البعيدة، لن تكون وحيدًا فالقلوب نازلةٌ في قلبك، فلسان حال الجيل الأول المسافر إلى تلك الأصقاع ينشد:
كم منزلٍ في الكون يألفُهُ الفتى
وحنينُهُ أبدًا لأولِ منزلِ
نقِّل فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلًا للحبيبِ الأَوَّلِ
إنَّها الميناءُ، الزَّمنُ الجميلُ بتلك الزواريب التي سقاها البحر ملحًا، فأينعت وجوهًا طيّبةً في الجهات الخمس مودّةً ورفقًا وتكافلًا، ليبقى " ابن مينتي" شاهدًا على تاريخ هذا الثغر البحري وحضارته.

مكاريوس موسى

٤ كانون الأول ٢٠١٨

مكاريوس داوود موسى ١٩٠٠-١٩٦٢
ولد في ميناء طرابلس، وتتلمذ على يد والده المعلم داوود (...-1946). كان مكاريوس استاذًا في مدرسة الفرير قبل ان يلحق بأخيه نجيب إلى البرازيل حيث عمل في المحاسبة.
لكنه عاد إلى لبنان ليعتني بوالده متسلّمًا منه إدارة مدرسة مار إلياس التي كان مديرًا لها منذ العام 1924، فأدارها مكاريوس من العام 1933-1957 بعد أن عيّنه المثلث الرحمة المطران الكسندروس طحّان(1869-1958) مديرًا جديدًا لها.
تخرّج من بين يديه المئات من الطلاب، الذين يذكرونه اليوم بحبّه للتعليم وبرعايته التلاميذ، وخاصة فقراء الميناء على اختلاف مذاهبهم أو أحيائهم.
عمل مكاريوس على تطوير المراحل الدراسيّة فحوّل المدرسة الابتدائية إلى مدرسة تكميلية العام 1937 ، ثمّ زاد عليها الصفوف الثانويّة.
كما أسس الأستاذ مكاريوس كلية التضامن الوطني في طرابلس، ليتسلّم إدارتها الأستاذ كامل درويش (1927-1993)، عند وفاته سنة 1962.
إنّ الميناء البحري كان مكتفيا بخدماته التربويّة والطبّية والزراعيّة والبحرية منها، فحافظ على إرثه وعادتته وتقاليده. من يصونها اليوم لهويّة متجذّرة في التاريخ غير أبناء أحيائها الداخلية العتيقة!

أسعد باشا باسيلي

٢٧ تشرين الثاني ٢٠١٨

أسعد باسيلي 1878-1943
حمل معه من الميناء التي ولد فيها لأسرة ذات أصول يونانية تسامحًا دينيا متميّزًا، تجلّى ذلك في حكاية بنائه مسجدًا في الاسكندرية.
بداية التحق في طفولته بمدرسة الطائفة الأرثوذكسية في الميناء ، ثم تلقى دروسًا في الأدب على يد عدد من كبار العلماء.
في مستهل القرن العشرين، هاجر أسعد باسيلي إلى مصر، بحثًا عن فرصة للتعبير عن آرائه والبحث عن متنفس أوسع للحريات، وكانت حركة تجارة الأخشاب لتغطية متطلبات البناء نشطة في تلك الفترة، فاستغل الفرصة وعاد إلى بلده لإقناع شقيقه بإنشاء فرع لشركتهم في مصر، حتى تم إنشاء شركة الأخشاب خاصته في منطقة الورديان غربي الإسكندرية، وفي غضون سنوات استطاع باسيلي أن يوسع حجم تجارته لتكون على المستوى الدولي.
شيّد أسعد باشا باسيلي مسجدًا على قطعة أرض يملكها بمنطقة الورديان لخدمة عمال الشركة وأهالي المنطقة في أداء الصلاة على مدار اليوم، وذلك لأنّ العمال كانوا يقضون فترات طويلة للوصول إلى أحد المساجد البعيدة عن المنطقة، وكان صاحب الشركة يريد الحفاظ على انتظام العمل دون التأثير على شعائر المسلمين.
ما زال المسجد يحمل لافتة باسم مؤسسه، ويعدّ تحفة معمارية بسيطة المظهر الخارجي، إلّا أنّه في الداخل، في أروع حُلة بأرضيته ومحرابه وحوائطه المصنوعة من الرخام والفسيفساء، والمنبر والسقف المشيد من الخشب المحفور والمُطعم بالعاج، فضلاً عن النجف المصنع خصيصًا للمكان والفريد في زخرفته التي اعتمدت في نقشها التفريغ، الذي يُبرز الآيات القرآنية في شكل دائري.
لم يشهد أسعد باسيلي افتتاح المسجد، لأنه أمر ببنائه وتوفي قبل انتهاء أعمال إنشائه، ولم يكن يريد إطلاق اسمه على المسجد احترامًا لمشاعر المسلمين، وأراد أن يكون اسمه مسجد "شركة الأخشاب"، إلا أن المصلّين في المسجد أسموه "باسيلي" تقديرًا واعتزازًا بما فعله مشيده.
كما تحوّل قصر "أسعد باسيلي "الذي بناه عام 1928، لاحقًا، إلى متحف الإسكندرية القومي .
هذه روح الميناء المنفتحة الصادقة التي يحملها أبناؤه أينما ذهبوا، محبة وعطاء وتقديرًا وشهادة لنسيجهم الوطني الواحد.

الدكتور هنري بويز

٢٦ تشرين الثاني ٢٠١٨

حين جاء الدكتور يرا هاريس(...-1915) من الولايات المتحدة الأميركية إلى الميناء عام1882 ليتولّى رئاسة المستشفى الأميركي خلفًا للدكتور "بوست" ورئاسة البعثة التبشيرية في طرابلس لم يخطر في باله أنّ هذا المستشفى سيلمع بسبب خدماته الطبّية خاصة في عهد خلفه الدكتور هنري بويز المولود في أميركا الذي أدار المستشفى في الميناء حتى وفاته عام 1960.
استطاع "هاريس" أن يجمع شبكة من الأطباء الناجحين، فاستدعى مثلا الطبيب شكري فاخوري (...-1923) الذي ولد في صيدا وتعلّم في الجامعة الأمريكية حيث نال بكالوريوس العلوم. استدعاه للعمل معه في المستشفى الأمريكي في الميناء سنة 1890م، فعمل معه كمعاون طبيب يتقن علم تشخيص الأمراض كما أتقن الجراحة وعلم وصف العقاقير.
استطاع الدكتور "بويز" أن يدخل قلوب أبناء الميناء بعلمه وطبابته كما ترك عدّة أبحاث طبّية نشرت في المجلات الأميركية ، وكان معروفًا بحذاقته ودماثة خلقه في طرابلس والأقطار المجاورة.
ما زال أبناء الميناء يذكرون الدكتور "بويز" وخدماته الطبية مع زوجته في ذلك المستشفى الذي كانت الميناء بسببه مقصد السياحة الاستشفائية الرائدة، لذا رفع له أبناء الميناء نصبًا تذكاريا في ساحة مستشفى الأميركان، خطط له ونفّذه نهاد الزيلع(أطال الله بعمره).
استطاع "بويز" أن يحظى برضا أهل الميناء البحري إذ كان معهم في أنواء أمراضهم وأوجاعهم

ميخائيل ديبو

٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٨

ولد ميخائيل بن جرجس بن إلياس ديبو المعلوف (1842- 1916) ، الشاعر والمحامي والخطاط والمصوّر، في الميناء.درس في مدرستها الأميركية، وأتقن الفرنسية والإيطالية في مدرسة الآباء الكرمليين في طرابلس ، وتنقّل بين روما وقبرص عام 1857 لبيع المحار المعروف بعرف اللؤلؤ. لازم الشاعر خليل فتوح، حين انتقل مع والده إلى البترون فبدأ ينظم الشعر، كما لازم عام 1858 الشيخ ناصيف اليازجي (1800-1871) في بيروت.سافر إلى الإسكندرية تاجرًا عام ليعود إلى الميناء 1861 وليتزوج عام 1866 .
غادر إلى "مرسين" عام 1872، وألّف روايته الهزلية "الشيخ الجاهل"، وأنشأ محلا تجاريا، وعيّن ترجمانا لقنصلية إيران سنة 1876 وسمي لاحقًا وكيلا لقنصلية دولة العجم. سافر الى اسطنبول وعاد منها قنصلا على طرطوس واضنه ومرسين لكنه استقال عام 1880 وعاد إلى الميناء.
أكثر آثاره مسرحيات، لذلك ألّف فرقة تمثيلية من شباب الميناء ودرّبهم على التمثيل. من أهم مسرحياته: مسرحية داوود وشاول، ومسرحية غرائب الغرام، الشيخ الجاهل (رواية هزلية غنائية)، العشيقة المجهولة، شقاء الحب وغيرها مثّلت جميعها على مسارح طرابلس، له أيضًا ديوان شعر من ثلاثة أجزاء ضمّ المدح والهجاء والرثاء، وهذا الديوان موجود ، بخطّ يد الشاعر، في مكتبة عيسى اسكندر المعلوف ( 1869- 1956) وأولاده بزحلة منذ عام 1931 وهو هدية للمكتبة من ابنه جرجي.
هذا الميناء البحري احتضن أول عمل مسرحي لميخائيل ديبو عن روايته "الشيخ الجاهل" في باحة المدرسة الأرثوذكسية ( مار إلياس)، أمام خشبات متّصلة كلّها بالطول والعرض، يقوم عليها أشخاص من لحم ودم، ينقلون بالصوت والإيماءة حركات الجسد الذي لبِس أزياء التّاريخ. جرى ذلك عام 1872 ما يشير إلى الحراك الثقافي الحضاري الذي كانت تنعم به هذه المدينة البحرية.

ميخائيل جبران نيني

٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٨

ميخائيل جبران نيني (١٨٨٤ – ١٩٦٩ )
لا نعرف عنه وهو المولود في الميناءدون أن نعرف أصول عائلة"نيني"، ففيما يعيد بعضهم إلى سواحل اليونان أو من معناها باللهجة المصرية المُتْعَبْ دائما.
وصلنا فقط أنّ العثمانيين أخذوه من الميناء إلى "سفر برلك" في الحرب العالمية الاولى سنة 1914 , ويروي أنه ورفاقه كانوا ينتظرون براز الدابة الذي فيه فضلات الشعير ليأكلوها.
عند انتهاء الحرب رجع مشيًا آتيًا من الأردن الى لبنان سنة 1918.
حين وصل إلى الميناء عاد إلى حياته فتزوج من "لولو عبدو مروه" وأنجب منها ١٢ ولدًا (سبع بنات و خمسة شباب)، وانصرف إلى العمل حلاّقًا للرجال في محله في شارع الخراب الذي عاد واستلم عنه ابنه قسطنطين .
توغّل ميخائيل في سكنه فسكن في بيت في داخل داخل حي الخراب الذي تصل إليه عبر مفرق وثان وثالث، وكل مفرق يضيق عن الآخر لتنفتح على ساحة يتجمّع فيها أهل الحيّ في سهرات أليفة طريفة .
يظهر في الصورة التي تعود إلى عام (1929) أولاده: هيلانة (1922-1974) و يعقوب (1926-2013) على شماله، قسطنطين (1924-2011) و روسيا (1928 أطال الله بعمرها ) على يمينه كما يجلس في حضنه إيليا (1929-2014).
ميخائيل نيني ورفاق زمانه عاينوا الحرب الأولى والمجاعة لكنهم لم يشبعوا من محبة الميناء.

سليم الحلبي

٢٣ تشرين الأول ٢٠١٨

كانت المحلات وراء خان التماثيلي عبارة عن مخازن وقناطر هندسية العمران. لكن لما قامت الطرقات ارتفع مستواها عن مداخل هذه المحلات، فأصبحت الأخيرة تحت مستوى درب المشاة كما في هذه المحلات على اليسار.
في إحدى هذه المحلات كان " سليم محمد الحلبي" (1938-1993) بائع الفحم في آخر عمره حيث توفّي وهو متربّع على كرسيه بين شوالات الفحم ووسط جدران يغطيها اللون الأسود.
اشتغل والده محمد ( 1902- 1991 ) بتجارة المواد الغذائية من حبوب وغيرها خلال الحرب العالمية الأولى، ولما استقرّ الحال افتتح محلًا للحمص والفول في منطقة محطة القطار منصرفًا إلى تربية ابنه الوحيد سليم بعد وفاة الوالدة حيث لم يتزوج بعد وفاتها.
لما نشأ سليم تزوج من خديجة غمراوي من البداوي وأنجبا آمال ومحمد وغسان وأحمد وميرفت وجمال وفادي وهبة.
أسس سليم عائلة ساهمت في تمتين النسيج الأهلي في الميناء، فها صورة العشاء السرّي التي أهداه إياها صديقه"طوروس" الذي يعمل معه في تجارة الألبان والأجبان المعروفة حينها باسم "كارون" معلّقة في غرفة الطعام، كما كانت شجرة الميلاد تحتلّ زاوية صالون البيت ، فيما علاقاتهم الأخوية والأهلية متينة مع عائلة جارهم المختار جوزيف عازار ( 1929-1975).
أتت الحرب اللبنانية وضاقت سبل العيش فسافر مع ابنه للعمل في قطر، ولما عاد اشتغل بتجارة المواد الغذائية إلى أن استقرّ في ذلك المحل تحت القبوة.
اختفت الحركة المباركة الاقتصادية في هذه المحلات، التي يكاد ارتفاع الطريق يخفيها ويلغي وجودها التاريخي، كأقبية متساوية مع مستوى الطريق القديم، وحيث كان الناس يمرّون من هنا باتجاه قبوة "الجامع العالي"، وصولا إلى سوق الخضار في محيط "جامع غازي" و"ترب الإسلام".
"سليم الحلبي" اشتعل حبًّا لأزقّة الميناء، واحترق كالفحم في هذه الأقبية كي تبقى الطريق، وكي لا ننسى من جلس فيها، وعاش فيها، وعلى حيطانها رسم بالشحتار حكايات المدينة.

سابا بينو

٢١ تشرين الثاني ٢٠١٨

كان عمودًا بطوله وعرضه. سكن أوّلا في زقاق متفرّع من زقاق الطاحون، في مربع عربي تحيط به "جنينات" مبعثرة ، تعبر إليها من باب خشبي نسي الزمان أنّه معلّق بمفاصل كتبت الحكايات بعضًا من مشاهدها وارتحلت.
في هذا الزقاق سكن "سابا بينو" الذي لم نقف على اسم عائلته بل أضاف أهل الميناء إلى اسمه الأول اسم البلدة التي أتى منها مع عمه قسطا أي" بينو" في عكار.
"سابا بينو" من أوائل الذين اقتنى دراجة هوائية، تلك السوداء اللون القديمة، وكان يستعملها في تنقّلاته في أزقة الميناء، عابرًا كلّ الأحياء، حيث كان يشتري ما يحتاجه من عند اللحّامين لتأمين سندويشات "السودا" و" اللسانات" و" السمكة الحرّة، والسجق" و"البسطرما" وغيرها من الطيبات التي يشتهيها الجائعون في سندويشات من يديّ "سابا بينو" ، في محلّه مقابل مدرسة الراهبات، مع شوية حرّ وشوية ملح وحبّة مسك.
حين توفّى عمه "قسطا" اختار"سابا بينو" رفيقة عمر لما بقي من سنيه، وانتقل للعيش معها في بيت قرب دار الميتم في شارع مار إلياس.
"سابا" أحضر قرية"بينو" معه إلى الميناء وأخذ معه ذكرياته المالحة، وبقي هو في ذاكرة من عرفه ذوّاقة لقمة بحرية ميناوية كان رائدها وصانع طعمها ومقصد الكثيرين.

محمد الباف

١٩ تشرين الثاني ٢٠١٨

الحاج محمد فضل الباف (ابو خليل)(1921-1972) صاحب مكتبة الباف القديمة على زاوية المفرق المؤدي إلى ترب الإسلام، بالقرب من مكتب المختار عرفات غندور (1913-1978).
بدأ الحاج محمد أوّلا بالتجارة بألعاب الأطفال، وتاجر أيضًا بأجهزة الراديو الصغيرة وكان يقوم ببيعها للتجار الذين يزودون بواخر النفط بالمؤن وخصوصًا في الأعياد. تعامل أيضًا بتجارة الأصناف المتنوعة ،بالجملة والمفرّق، لبعض المحلات بالميناء.
انتقل لاحقًا إلى التجارة بكافة أنواع القرطاسية، والكتب المدرسيّة الجديدة والمستعملة، وتجارته كانت مباشرة مع تجار بيروت وغيرهم ما دعاه إلى افتتاح دكان صغير، ليتوسّع في محل أكبر مقابل المختار عرفات غندور.
تزوج وله :نور الهدى (توفيت)، الحاج خليل(ميكانيك مصاعد) مقيم في اليونان ، عبد الرحمن (خبير محاسبة) مقيم في بيروت، ناصر، نبيل، رمزية ،صباح، ، هلا، رجاء.
الحاج محمد فضل الباف من العاملين بالتجارة في السوق القديم الذي صنع تاريخ الميناء الذي حفظته بطون "الكتب" ما بين الجدّ و"اللعب".

إيفون أيوب

١٨ تشرين الثاني ٢٠١٨

وصل جد "إيفون أيوب" (1931-2002) برفقة أولاده ، في مطلع القرن العشرين من اليونان وسكن الميناء. التقى ابنه "ميخائيل" صبية مولودة من أبوين يونانيين حمّلاها اسم العاصمة الاغريقية التي أتوا منها"أثينا". (1902-1974) ، وأنجبا الياس، نقولا، جورج، ملكة وماري وايفون.( توفّاهم الله جميعًا).
أيفون أيوب ذات الأصول اليونانية التقت بابن" مرسين" قسطنطين بيطار (1916-1987)، الذي جاء إلى الميناء مع اخوته: حنا وجورجيت (توفيت في (2012)وقسطنطين ورمزة( توفيت 1985) التي تزوجت من نقولا الدبس (1893-1975) صاحب مطعم "الجورة" وقد تعرّف عليها باللاذقية في زمن الارتحال.
استطاع "جرجي" والد"قسطنطين"الهرب من مرسين في زمن "سفر برلك" أثناء الحرب ليحلّ في الميناء. تزوج قسطنطين من إيفون وأنجبا جورج وجان والبير ونبيل وفؤاد(1962-2018) وميلاد.
"إيفون" حارسة يوميات الميناء. سكنت مع زوجها في عقار مواجه لمدخل كنيسة مار جرجس الأرثوذكسيّة يعود للعام 1912، وشهدت مناسبات زواج الكلّ ووفيات الجميع و"الشليفة" السرّية بحكم موقع بيتها، ومن الطريف أنّ أولادها كانوا يشترون زجاج نوافذ البيت، قبل أيام ،لتركيبها بعد الاحتفال بالقيامة وتفجير "الديناميت" بالمناسبة حيث يتكسّر الزجاج نتيجة قوة المتفجرات.
ما هذا الميناء المشغول بحكايا الوجع والارتحال. يأتون متفرّقين إليه،وبملحه البحري يجمعهم كرغيف خبز واحد. يبدو أن عظمة الثغر البحري في أنّه لا ينطق إلّا بكلام الودّ والأمان والاستقرار.

جوزيف وجورجيت عازار

١٠ تشرين الثاني ٢٠١٨

اشتغل "أسعد عازار" (1899-1972) من عينطورة - المتن موظفًا في سكّة الحديد ، فتنقّل بين زحلة وبعلبك وحمص ولكنه أحبَّ،ككثيرين، السكن في الميناء في منزل ملاصق بماء البحر خلف كنيسة النبي إلياس مع زوجته "نزهة" (1910-1977) وأولادهما، ومنهم "جوزيف"(1929-1975) الذي عمل موظفًا في وكالة "آل بطش" البحرية.
خاض "جوزيف" الانتخابات الاختيارية وفاز بالمقعد عام 1963 ،وكانت خدمته فاعلة بين أهل الميناء، خاصة وأنه كان لطيف المعشر، يرافق الناس في أفراحهم وأحزانهم.
تزوج من جورجيت همشري (1915-2003) التي كانت تعمل في مستشفى شيخ الأطباء عفيف عبد الوهاب (1915- 2003) في الميناء ممرضة ، وهي لم تقبل السفر يومها، بعد إغلاق المستشفى، مع الفريق الطبي إلى السعودية بل اختارت خدمة أبناء الميناء. سكن" جوزيف" و"جورجيت" في بيت خلف خان التماثيلي على مسافة أمتار من الجامع العالي، وأنجبا: أسعد ونزهة وابراهيم وفؤاد.
هذا الإر ث الشعبي للوالد والوالدة في الخدمة العامة ظهر في الانتخابات الاختيارية اللاحقة، حيث جدّد أهل الميناء وفاءهم للمختار "جوزيف" بتجديد الاختيارية لإبنه البكر المختار الحالي "أسعد" .
هذا وتابع المختار"أسعد" حضور والديه في الميناء العتيقة، فها مكتبه وراء الخان يستقبل أصحاب المراجعات، فيما ينظر والده من الصورة المعلّقة في المكتب، إلى ذاك الحيّ القديم حيث نشأ وكتب ذكرياته على حيطان الخان الشاهد على موج البحر وحكايات ناس مرّت من هنا.

جورج جان حكيم

٩ تشرين الثاني ٢٠١٨

من مواليد الميناء (1913-1987) ، وهو الوزير الوحيد في القرن العشرين الذي كان من الميناء، فيما كان النقيب رشيد درباس الوزير الوحيد من الميناء في أوائل هذا القرن الواحد والعشرين في عام 2014 مع رئيس الوزراء تمام سلام.
تقول المراجع إنّ جورج حكيم تخصص في العلوم الاقتصادية في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع دراسته في الولايات المتحدة الأميركية حيث نال شهادة الدكتوراة في الاقتصاد.كان مستشارا للبعثة اللبنانية في واشنطن عام 1946، كما مثّل لبنان في الجمعية العمومية لأمم المتحدة عام 1965.
تعاطى الشأن الوزاري العام فكان وزير المالية والاقتصاد والزراعة في حكومة الرئيس خالد شهاب (1892-1978) عام 1952، ووزير الخارجية والمغتربين والاقتصاد في حكومة صائب سلام عام 1953، ووزير اقتصاد وتربية في حكومة عبدالله اليافي (1905-2000) عام 1956، ووزير الخارجية والمغتربين في حكومة رشيد كرامي (1921- 1987) عام 1965، كما مثّل لبنان لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة(1946-1949).منحته جامعة سان جون في نيويورك 1965 شهادة الدكتوراة الفخرية، مما تزوج من الأميركية لورا ولهما حنا وندى.
من هذا الميناء خرج "جورج حكيم" إلى العالمية والمنابر السياسية العربية والأممية، كما خرج مناضلون وسياسيون من هذا الثغر البحري إلى مراكز النضال أو السلطة.

طنوس سنيور

٨ تشرين الثاني ٢٠١٨

لم يعرف "طنوس" من الميناء إلّا سوقها التجاري الممتدّ على طول سوق الخراب باتجاه ترب الإسلام عبر ترب المسيحيين.
كان يعرف طنوس سنيور ( 1924-1991) مهمته في كيفية الاهتمام بمبنى الكنيسة منذ عام 1964 ، دوامًا وحضورًا يوميًّا.
اهتم"طنوس" أيضًا بعملية صبّ الشمع بالطريقة اليدوية، إذ كان يأتي ببقايا الشمع والمادة اللازمة ويضعهما في حلّة، ليشعل بابور النار تحتها ، ثم يعمد إلى رفع خشبة مدّ عليها قطع حبال رفيعة، فيغمسها في السائل المذاب الذي يتجمّد على الحبل، فيعيد العملية عدّة مرات ليصير كل حبل صغير شمعة متكاملة.
طنوس سنيور عرفه أهل الميناء في سعيه واهتمامه بالمناسبات الدينية إذ أعطى الخدمة معناها، ببساطتها وهدوئها وعفويتها.
كان حاضرًا في مناسبات المعمودية والإكليل والموت، ولم يغب يومًا عن تأمين مستلزمات الصلاة. بقي ناشطًا إلى عام ١٩٨٦ يوم أصابه العجز، لكنه بقي ملازمًا ابنه الذي استلم عنه ومنه.
غاب "طنوس" يوم صارت الآلة تصنع الشمع كميات كميات، وصار الاتكال على التقنية الجديدة. شعر طنوس أن عروق يديه نشفت ، ولم تعد النار تلهب قلب الشمع المذاب، فغابت معه تلك الحرفة اليدوية الميناوية.
في جنازة "طنوس" لم يكن غائبًا، بل كان حاضرًا يناول الكهنة المبخرة، يضيء أعمدة الشمع، يطفىء ما تهالك منها، صار "طنوس" إلى نورٍ لم تره عين، ولم يلتهب به إلّا البسطاء.

الياس أو ديب كرم

٧ تشرين الثاني ٢٠١٨

إلياس الملقّب ب "ديب" كرم
ولد في الميناء (1875-1938)، نشأ في بيت آل كرم، تجّار الخشب ما بين الميناء والاسكندرية. أحبّ مدبرة منزلهم، من آل السنيور، فمنعوه عنها بإقناعه بالعمل بتجارة الخشب، وأرسلوه لاحقًا إلى الاسكندرية على سفينة مبحرة من الميناء.
لكنه استطاع أن يقنع القبطان بأن يعيده ليلًا إلى الشاطىء ليتوجه إلى حبيبته ويخطفها ويتزوجها وينجب منها ولدين.
إلّا أن الجندية التركية "سفر برلك" عام 1914 كانت بانتظاره فأُخذَ إلى القتال، لكنه استطاع الهرب ليجد الجوع قد عمّ ،وزوجته توفيت وكذلك ولده ولم تبق له إلّا ابنة وحيدة ، ويُخبر "ديب" عن زمان الجوع ذلك، أنّه لما هرب من"سفر برلك" وعاد إلى الميناء فوجد زوجته ميتة من الجوع ، وابنه أيضًا، فيما ابنته" فدوى" على صدر أمّها تطلب حليبًا، وسط جرذان تجوب البيت. لذلك لم يجد "ديب" حلّا إلا أن يودع ابنته "فدوى" بيت آل كرم الأثرياء لتنمو عندهم، بعيدًا عن الجوع والموت.
أما "ديب" ، فبعد استقرار الأوضاع ، عاد وتزوج ، بعد فترة، فتاة من عائلة ديبو وأنجب: نقولا (1922-1997) وماري وسابا وجورجيت وجورج ( رحمهم الله) وناديا( أطال الله بعمرها).
إنّ أولاد إلياس أو ديب كرم وأحفاده فتعرفهم حارات الميناء القديمة وناسها، إذ أتقنوا فنّ العيش في المدينة البحرية حيث الحياة تجري رتيبة، إذ لا شيء مستعجلّا إلّا الموج قبل.... رحيل الأفق.

الشيخ صبحي الصالح

٦ تشرين الثاني ٢٠١٨

العلّامة الدكتور صبحي إبراهيم الصالح
ولد في الميناء(1926-1986) حيث درس في إحدى مدارسها الإبتدائية ثمّ تابع دراسة شهادة الثانوية المدنيّة والشرعيّة في دار التربية في طرابلس وليلتحق بالأزهر الشريف منتسبًا إلى كلّية أصول الدين ومتخرّجًا منها عام 1949 بامتياز.
نال أيضًا الإجازة من كلّية الآداب 1950.
غادر إلى فرنسا ليلتحق بجامعة السوربون ولينال شهادة الدكتوراة بامتياز على أطروحتيه: "الدار الآخرة في القرآن الكريم"، و"الإسلام وتحديات العصر".
عاد إلى لبنان وأمضى ثلاثين عامًا في التدريس الجامعي في بغداد ودمشق والجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية.
شارك في العديد من الندوات العالمية واعتمدته كبريات المجامع العلمية العربية والعالمية عضوًا فيها، وانتخب نائبا لرئيس المجلس الشرعي الأعلى وأمينا عامًا لرابطة علماء لبنان.
ترك العديد من المؤلفات وكرّمته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنحته جائزة القرن العشرين للتفكير والاجتهاد في الإسلام.
من هذا الميناء خرج "الصالح" إلى العالمية علمًا وثقافة وشهادة إيمان. من هذا البحر الفكري طلع كبار ولمعوا.
كان "الصالح" " صبحًا" منيرًا بشخصيته قبل أن تقتله رصاصات الغدر والاغتيال في 7 تشرين الأول عام 1986.

وليم كاتسفليس

٥ تشرين الثاني ٢٠١٨

من مواليد الميناء (1879-1951)، من عائلة تولّت أعمال قنصليات إنكلتره وبروسيا وغير ذلك من القنصليات في ميناء طرابلس البحري.
تخرّج من كلية عينطورا، وأتمّ دراسته في كلّية الآداب باليسيوعية، فأجاد العربية والفرنسية والانكليزية.
هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية العام 1902 ، وأنشأ مع جبران خليل جبران (1883-1931) ورفاقه الرابطة القلمية في نيويورك.
عرف برهافة ذوقه الأدبي وبإجادته الخطابة. ترك رواية تمثيلية بعنوان "شفاء التاج أو حرس جلالتها"، كما كتب في جريدتي"مرآة الغرب" و"السائح".
شارك في العام1929 بكلمة بعث بها إلى لجنة تكريم بابل سوريا عبد الحميد الرافعي (1859- 1932) بمناسبة ذكرى يوبيله الذهبي وهي من عيون الأدب.
توفي في المهجر ودفن هناك

تقاعد محمود طالب

٥ تشرين الثاني ٢٠١٨

إلى محمود طالب، أبي خالد
"غزا الشيبُ مفرقينا"، وتلاقينا في مسرى العمر الذي عبر. صِرْتَ "خارج القانون" إذ قيل إنّك بلغتَ السنّ القانونية، فما أحيلى الجلوس معك.
كيف مرّت السنون والاولاد صاروا المسافات والمساحات وبؤبؤ العين؟ من حمّل الأيام أحلامنا وأمانينا؟ من قال للزمن أن يرحلَ سريعًا وما زلنا نبحث عن هدأة البال وسكون الخاطر؟
ما كنتَ إلا "محمود" الكلام و"طالب" الودّ والاحترام. ما عهدناك إلا أمينًا على القليل والكثير، وما رأيناك إلًا "زاهدًا في ما سيأتي، ناسيًا ما قد مضى".
كانت الثقافة مرمى عينيك ومسعاك، فكنت "معتصمًا"بها، و"درويشًا" لها، و"لامعًا" و"عَلَميّّا" و"باسمًا"فيها، وكنتَ مذكّرًا بالمواعيد ولم تكن متهاونًا أو "منسّى" بل حافظًا لدفتر الثقافة ، لذا لم تتخلَّ عن "المجلس الثقافي للبنان الشمالي" "صفوحًا" له و"مُنجِدًا" وِسادات الحلم الثقافي الذي تحلو به المنابر وتزهو.
قد لا تفي الكلمات ما كنته، لأنك كنت أبجدية المحبة التي لا عدد حروف لها، فهي كأوتار العود معدودة، لكنها مفتوحة على أنغام العالم وألحانه.
ها أنت تعبُرُ من الإدارة في الجامعةِ اللبنانيّةِ لتدخلَ بفرحٍ إلى جامعة الجامعات؛ المنابر الثقافية ومجالسها، حرًّا من الروتين الإداري ورتابة العمل المكتبي. أغلقتَ اليومَ الملفات والإضبارات، وفتحت دفتر الدنيا فاكتب بحبر التجربة، وانطق بكلام الخبرة، فالعالم لم يعد يكفي أصحاب الأحلام.
خذ حلمك وأعد رسمه من جديد، فالمكان لم يعد وسيعًا كما... قلبك.

إحسان حدبا

٤ تشرين الثاني ٢٠١٨

تلقّى إحسان حدبا (1934-1995) تعليمه في مدرسة التهذيبية في الميناء، وتخرّج من الكلية الإسلاميّة حائزًا شهادة البريفه.
بدأ حياته المهنية، وكان في السادسة عشرة من عمره ،معلمًا في "وادي الجاموس" في عكار، ولاحقًا بدأ يعلّم في الكلّية الإسلاميّة كأستاذ للغة العربية، كما كان ناظرًا لاحقًا في مدرسة البنين الرسميّة الأولى للصبيان التي صار اسمها اليوم على اسم مديرها الأوّل بطرس دورة ليستلم إدارتها بعد تقاعده.
تزوّج من غادة غزاوي عام 1958 وأنجبا المهندس عامر ، هند، ليلى، مي، نورا ، المهندس عزام.
اشتغل بالشأن العام فكان من مؤسسي الكشاف المسلم في طرابلس، كما حرّر في كثير من الصحف المحلية، وكتب قصصًا قصيرة، وقدّم برامج بصوته في الاذاعة اللبنانية.
كان مشهورًا بإدارته المدرسيّة خاصة زمن الحرب حفاظًا على الانتظام العام لذا كان محبوبًا ومعروفًا من الكلّ في الميناء.
كان يعرف أن الميناء سوقًا داخليًّا عتيقًا، فيه تنمو الصداقات وتكبر، لذا كان حريصًا ألّا يتخلّف عن الجلوس يوميًّا مع رفاقه في مقهى الجمرك لأبي محمود البيروتي، ليقف على نبض الناس وبسطاء الميناء.
بهذه العفوية، كان يفرح حين لقبّه رفاقه بشيخ الشباب، حيث إن الشيب لم يطله كما التاريخُ الحيّ في الميناء البحرية.

فؤاد البرط

٣ تشرين الثاني ٢٠١٨

كان أهل الميناء بجدّدون النيابة لفؤاد البرط (1907-1981) الذي كان يخوض الانتخابات على لائحة الرئيس الشهيد رشيد كرامي في الدورات (1951-1957-1960-1964-1968) لوجوده الدائم بينهم في أزقة الميناء القديمة ، حيث منزله ،وحيث كان يؤمن الخدمات لكثيرين خاصة في شركاته التجارية والاقتصادية.
كان متواضعًا يعرف نمط عيش أهل الميناء البسطاء ويعرف طريقة تفكيرهم البحرية فكان على تماس مع مشاكلهم وقضاياهم.
لم يترك فؤاد البرط منزله في سوق الخراب ولم يتخلّ عن ناخبيه، في سرّائهم وضرّاهم.
حين اعتزل العمل النيابي عام ١٩٧٢ ترشّح ابن أخيه ميشال "أسعد"، لكنه لم يوفّق في انتخابات ذلك العام، لكنّهم كعائلة ظلّوا يتعاطون الشأن العام إلى حين رحيل "فؤاد" وولدي شقيقه "ميشال": "أسعد" و"جان".
أغلق البيت النيابي الأرثوذكسي من الميناء، في النصف الثاني من القرن العشرين، ولم يعد إلى الثغر البحري.
قيل ان اسم "البرط" هو يماني الأصل بصورة "البُرت" ومعناه الفأس، وقيل هو فارسي بمعنى الدليل الهادي، اشتق من "برتو" ومعناها الضياء، ومن الباحثين من يقول إنه نسبة الى جبل مشهور في صنعاء اسمه "البرط"، وإليه تنسب قبائل البرط وكتانة وعبيد في شمالي لبنان.
اتصف بدماثة الأخلاق وحسن المعاملة ومساعدة الآخرين، ساهم بنشاط اقتصادي كبير في الشمال، وكان من رجال الأعمال المرموقين ومن المساهمين الكبار في بنك انترا، ومثّل شركات الإترنيت وشركة الترابة اللبنانية وشركة شل، وزار الكثير من الدول العربية والأوروبية والأميركية، حيث تفقد الجاليات اللبنانية لوجود روابط صداقة وعلاقات متينة معهم، ولإظهار سمعة لبنان الطيبة في المحافل الدولية من خلال محطات الإذاعة وقنوات التلفزة، وزياراته هذه كانت بدعوات رسمية وخاصة، واجتمع بكبار المسؤولين، ومُنح عدة براءات وإنعامات دينية وزمنية إذ كان من رجال الاقتصاد الكبار في لبنان .
ما زالت "طلعة البرط" حيث منزله تحكي حكايات كثيرة وعامرة عن أحوال أهل الميناء في ذاك الزمان ، زمن البساطة والرخاء الذي عبر.

جميل عبد الرحمن البكري

٢ تشرين الثاني ٢٠١٨

كانت محطة القطار في الميناء بابًا للعمل في أوائل القرن العشرين ، وكان يقصدها للعمل فيها كثيرون من مختلف المدن اللبنانية والسورية، كما فعل الحاج جميل عبد الرحمن أسعد البكري (1907-2000)، مواليد حماه، حين قدم الى "الأسكلة" وهو في الثامنة عشرة ليعمل في محطّة القطار قبل أن يتقن صناعة القهوة ولذّتها في المدينة البحرية في مقهى "محي الدين العيلة".
لما استقرّ "جميل" في الميناء، تزوج من "خالدية الزيني" في عمر الثالثة و العشرين، وأنجبا ٧ أولاد و بنتين، أكبرهم عبد الرحمن (ابو جميل) الذي ساعده لاحقً في محل الفلافل الذي أسسه في أربعينيات القرن الماضي.
اشتهر المحل: "فلافل ابو جميل" الجديد الذي افتتحه بالقرب من قهوة "محي الدين العيلة" التي تحوّلت لاحقًا إلى سينما "العلم" عند مدخل ترب الإسلام من ناحية البحر.
أعطى "أبو العبد" وابنه "عبد الرحمن"(1941) طعمًا جديدًا لهذه الأكلة الشعبية التي غزت الأسواق اللبنانية خاصة وأن محل "ملك الفلافل" هذا، كان يأتي اليه الزوّار من كلّ المناطق لتذوق طعمها الفريد المحلّي.
إلا أنّ العمل توقف في منتصف التسعينيات.
رحل "أبو العبد" وانصرف "عبد الرحمن، أبو جميل" إلى صناعة الزوارق ، وأورث ابنه المهندس غسان هذه الحرفة التراثية اليدوية الميناوية في "ورشته".
لم يعد قرص الفلافل يزغرد في عزّ الزيت الذي يغلي كاستدارة شوق قمر الذكريات في سماءالماضي الجميل.

كامل درويش

٢ تشرين الثاني ٢٠١٨

كامل درويش يعرفه شاطىء الميناء، ويعرفه النّورس الذي كان يحلّق معه في سماء الشّعر والأدب.
كان كامل درويش يشعل غليونه، إن راقت الدنيا، وكان "يروق" اذا اشتعلت الدنيا قصائد وبطولات.
مارس الشاعر كامل درويش (1927-1993) التعليم عام 1946 في مدرسة مار إلياس، لينتقل إلى سوريا استاذًا للأدب العربي ومديرًا للثانوية الأرثوذكسية في محردة (1954- 1959)، ثم عاد عام 1960 بعدما دعاه المربي مكاريوس موسى ليعود الى لبنان ويتولى مكانه في ادارة كلية التضامن الوطني في طرابلس.
كما كان استاذًا للادب و الفلسفة و تاريخ العلوم عند العرب في مدرسة راهبات عبرين و ثانويات عديدة. ليستلم إدارة كلية التضامن الوطني في طرابلس، وليمارس تدريس الآداب والفلسفة في الثانويات الرسمية والخاصة، كما عمل مديرًا للدروس في دار التربية والتعليم للإسلامية.
كان عضوًا في المجلس الثقافي للبنان الشمالي وله كتاب الأدب النموذجي عام 1967، وسلسلة فنون وأعلام، له مسرحية اسمها الحريق، ومقالات أدبية في مجالات وصحف.
كان نصير المساكين والمتعبين، فلم تكن غريبة عنه جلسات المقاهي الشعبية وأرصفة الصيادين وقضايا الناس.توفي في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الاميركية حيث كان يقيم، وتقديرًا لعطائه الشعري والنضالي أطلق مجلس بلدية الميناء اسمه على شارع من شوارع المدينة عام ٢٠١٣.
له شعرٌ لم يُنشَر وأكثره في الوطنيات، ليت أحدًا يدرس قصائده بيتًا بيتًا ، قصيدة قصيدة، كما كان هو يتأمل عيدان تنباك الغليون عِرقًا عِرقًا، لتحترق كقصيدة حبٍّ على البحر ... الميناوي.

فدوى عبد الوهاب

١ تشرين الثاني ٢٠١٨

تعرف كلّ البيوت في الميناء القديمة وتعرف أسرارها، ولا تخرج منها إلا الكلمة المفيدة والمعزّية.
الست فدوى خير الدين عبد الوهاب (1909- 2002) من سيدات هذا الثغر البحري الذي لم تبخل عليه فتياته بالعمل الاجتماعي لدعم الأسر ورعاية اليتامى والأرامل والعجائز.
الست فدوى من الفتيات القليلات اللواتي تسنّى لهن نيل العلم العالي. فها هي بعد تخرّجها من مدرسة الأميركان في طرابلس تكمل دراساتها في جامعة بيروت الأميركية ببيروت لتتخرج العام 1934 حاملة بكالوريوس في الآداب.
بعد تخرّجها غادرت إلى العراق حيث مارست التعليم في بغداد والموصل لمدة ثلاث سنوات،
لكنها عادت إلى طرابلس لتتزوج من ابن عمها كفلي عبد الوهاب، ( 1908- 1994) ولهما: إقبال الناشطة في الخدمات الإنسانية، ووفاء زوجة الفنان محمد غالب، ومؤنس الناشط في مجال المعاقين.
عملت الست فدوى منذ الأربعينيات في المؤسسات الاجتماعية؛ في دار اليتيمة الإسلامية، جمعية الشابات المسلمات، رئيسة الصليب الأحمر في طرابلس، وفي مجال المعاقين، كما أسست جمعية الخدمات الخيرية في الميناء، وكانت رئيسة لها لفترة طويلة.
أسست بالتعاون مع مصلحة الإنعاش الاجتماعي روضة الأطفال التابعة للجمعية وأدارتها لأكثر من عشرين عامًا.
الست فدوى كرّمتها قلوب أهل الأزقة العتيقة بنسيجها الأهلي، قبل أن تكرّمها بلدية الميناء العام 1989 ونادي الروتاري 1997 في التفاتة منهما إلى من كانت تتنقّل مشيًّا بين بيوت الناس لتسمع أنين الريح أو وجع الأيام رافعة صارية الخدمة لكثيرين

هنري حاماتي

١ تشرين الثاني ٢٠١٨

يعترف "هنري حاماتي " في مقابلاته الصحفية بحنينه إلى إنطاكيا حيث ولد العام 1934 ، حين كان والده يدرّس الرياضيات في كلّيتها. لكنه غادرها طفلاً في الخامسة إلى الميناء مع عائلته للاستقرار، ولكنه ما زال يتذكّر حارات انطاكيا والكنيسة، ومدرسة أخيه، وساحتها.
والدته "اوجيني عشي" ووالده "موسى" الذي كان مدير مدرسة رسمية في طرابلس.تلقّى "هنري" تعليمه في مدارس طرابلس الخاصة، كان مثقفًا يعرف نورس البحر وصخور الشاطىء وملوحة الوجع.
درس المسرح والصحافة والرياضيات، وكان عضوًا سابقًا في محترف بيروت للمسرح. استهوته السياسة فانتمى الى الحزب السوري القومي الاجتماعي العام 1951 ليعيّن لاحقًا مفوضًا عامًا في لبنان .
توقف عن متابعة الدراسة. لم يلتحق بجامعة، بل بنى ثقافته بنفسه، من خلال قراءاته.
في أوائل الستينيات تولّى إدارة تحرير مجلة «الجمهور»، ثم مجلة«الجديد» (1966)، وبعدها مجلة «صدى لبنان» (1972)... في الليلة الأخيرة من عام 1961، أسس مجلة «فكر».
تزوج في العشرين من عمره وله ٥ أولاد، ثلاثة منهم أطباء ويعيشون في فرنسا، كما تعرّض للسجن اكثر من مرة بسبب انتمائه الحزبي وكتاباته.
انتقل، بعد أحداث 1958 مع عائلته إلى بيروت، بعد احتراق بيته ومكتبة والده الكبيرة، ليستقر لاحقًا في فرنسا إلى جانب أولاده .
له ٢١ كتابًا في الشعر والمسرح والسياسة، من أهمها: جماهير وكوارث،عصبة العمل القومي، سلسلة أفكار،منطق الذئب،كلمات العاصي وغيرها من العناوين وكتب في أكثر من مجلة لبنانية وعربية.
تبقى الميناء مرفأ للصيادين، ومنبرًا للمثقفين، ومعبرًا بموجها وأفقها إلى رحاب الدنيا.

الشيخ محمود درويش

٣١ تشرين الأول ٢٠١٨

كان همّه المطالب الوطنية والمجتمع الأفضل فكافح وناضل الشيخ محمود الدرويش وفق رؤيته السياسية.
ولد الشيخ محمود في الفيحاء (1885- 1950) وتوفّي بمرض السرطان.
انتسب مبكرًا إلى جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) مقتنعا كغيره بأفكارها.
انتسب بعد الحرب العالمية الأولى ودخول القوات الإفرنسية لبنان إلى التيار القومي العربي ، وكان يقود المظاهرات ضد الاحتلال ، فأسس مع الرئيس شمعون والزعيم عبد الحميد كرامي حزب النداء القومي.
وعند انفصالهما أسس مع الزعيم عبد الحميد كرامي وأشقائه حزب الشباب الوطني؛ ثم بعد الاستقلال عمل مختارا لمنطقة النوري مع الحاج كامل مسقاوي رحمه الله والد الوزير عمر مسقاوي. تزوج بالسيدة عديلة المجلد وأنجب منها الصيدلي أحمد نيازي، واعتدال زوجة السيد عادل بك الملك، وسلام ،رحمها الله.
يحكى عن الشيخ محمود درويش أنّه نظّم إضرابًا وطنيا فتحرّك الفرنسيون وقرروا اعتقاله أثناء طلبه من الناس إغلاق محلاتهم. لكنه عندما سار في الشارع كان يرفع عصاه ويقول السلام عليكم فكان أصحاب المحال يردّون السلام ويغلقون محلاتهم ولم يتمكن الفرنسيون من اعتقاله بكلام الجرم المشهود بالدعوة إلى الإغلاق، كما شارك بقوة في المظاهرة التي انطلقت من أمام مدرسة الطليان، وداست الدبابات الفرنسية أجساد المتظاهرين في ١١ تشرين الثاني ١٩٤٣ وأدى الى مقتل ١١ شابا ، وكان الشيخ محمود قائد المظاهرة وكان يثب على سيارات المياه التي ترش المتظاهرين ويقطع خراطيمها بسكين في يده. .
لم تغب المطالب عن الفيحاء وثغرها البحري، التزم أبناؤهما الحسّ الوطني والعروبي فكانوا طليعة المحتجّين من أجل الاستقلال والعدالة والحرية.

سميح الزين

٢٩ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد سميح الزين(1904-1975) في الميناء ، والدته نظيرة عبد الفتاح عبد الوهاب الهندي، والده وجيه بن عبد القادر بن محمد الزين،، كان عميلا جمركيا، وفي الوقت نفسه مؤذن الجامع العالي.
نهل سميح وجيه الزين علوم العربية أثناء دراسته الثانوية في مدرسة الفرير في طرابلس لبنان على الأديب والشاعر الأستاذ يوسف الفاخوري، أستاذ الخطابة واللغة العربية في المدرسة، والمحرر للعديد من المقالات التي كانت تنشرها له أمهات مجلات العصر من مثل المقتطف والجامعة والهلال بجانب مقالات كبار الكتاب ومشاهيرهم، وتخرج من مدرسة الفرير في طرابلس بنيله البكلوريا القسم الثاني؛ ولم يسمح له الزمان بأن يدرس ما كان يهوى ويطمح، وهو دراسة علوم الصيدلة، لممانعة أهله أن يسكن بعيدا عنهم وقت الدراسة، وهو وحيدهم، فعمل في فرع بنك دي روما في طرابلس، ومن ثمة كمدير ثان لفرع البنك نفسه في حمص، وبعد إقفال البنك أبوابه أثناء الحرب الكبرى الثانية عمل في بلدية طرابلس حتى بلوغه الرابعة والستين.
اشتغل بالصحافة في الخمسينيات على صفحات جريدة"الجريدة"، ثم في جريدة"لسان الحال" ، حيث دارت مساجلة بينه وبين سعيد عقل في موضوع اللغة الدارجة واللغة الفصحى.
له دراسات في النقد الأدبي وفي الدراسات الفلسفية، وله مجموعة من ثلاثٍ وثلاثين أقصوصة قصيرة تشهد على حسن اتقانه وتمرسه لهذا الفن الصعب.
أتقن بالإضافة للغته الأم العربية اللغة الفرنسية وتميز بالإيطالية وألمّ بالإنكليزية.
وله كتاب يهمّنا: "تاريخ طرابلس منذ قديم الأزمنة حتى يومنا الحاضر". فهذا كتاب شهادة من سميح، ابن الميناء، عن حبّه لمدينته، فيسهب في الحديث بسلاسة عن أحوال الميناء بنسيجه الأهلي.
إن فتحت كتاب سميح الزين يواجهك نسيم الشاطىء في زمانه. سميح الزين لم يكتب كتابًا بل صنع قارورة ذكريات من ذاك الزمن الجميل.

أحمد درويش

٢٨ تشرين الأول ٢٠١٨

اختار أحمد نيازي الدرويش (1910-1992) أن يفتتح أول صيدلية له في كوسبا -الكورة العام 1941 لكنه آثر نقلها إلى الميناء ، في السنة نفسها، تحت الجامع المقابل موج البحر.
تلقى أحمد دروسه الابتدائية في مدرسة "اللاييك" في طرابلس، ثم انتقل إلى المدرسة السلطانية وتخرّج منها لينتقل منها إلى الجامعة السورية سنة 1931 م بوساطة الزعيم عبد الحميد كرامي، صديق والده الشيخ محمود الدرويش أحد مؤسسي حزب الشباب الوطني ودار التربية والتعليم الإسلامية (توفي سنة 1950) .
تخرّج من معهد الطب العربي في الجامعة السورية سنة 1937م، وكتب على شهادته "صيدلي من الدرجة الأولى". تخرج معه د. هاشم الحسيني ود. رهيف الأفيوني.
بعد التخرّج انتقل الى العراق للعمل ضمن الجيش العراقي التابع للملك غازي برتبة "نقيب صيدلي" ، ولما وقع الانقلاب على الرئيس رشيد عالي الكيلاني هرب من العراق الى لبنان.
تزوج أحمد بالسيدة دُرملَك ابنة الوجيه الحاج هاشم المجلد. وأنجب ثمانية أولاد: الصيدلي الدكتور محمود معن ،رحمه الله؛ والأستاذة منى زوجة أحمد غالب ،ابن الميناء، رحمه الله شقيق د. محمد وعبد الرحيم غالب الذي كان من الفنانين المحترفين الحفر على النحاس.
ومحمد رحمه الله تعالى؛ ومهى رحمها الله تعالى، وطه، وراوية مي، وماجد، ومنال.
ولما كانت الحرب العالمية الثانية على أشدّها، تحرّكت قوات الحلفاء، العام 1941، من فلسطين باتجاه سوريا ولبنان لتحريرها من حكومة "فيشي"، فحاصر الأسطول البريطاني السواحل اللبنانية ، وقصف مراكز قوات "فيشي" في كورنيش الميناء، فسقطت قذيفة بارجة على ملجأ مجاور لصيدليته، قتل فيها سبعة أشخاص، منهم العميل الجمركي ميشال حنا قطرة ، وأصيب الصيدلي أحمد نيازي بشظايا في عينيه، وعلى إثرها بدأ يفقد بصره تدريجيا، إلى أن وصل إلى مرحلة لم يعد معها قادرًا على إدارة الصيدلية، فأجّرها إلى غالب دبليز الذي كان يعمل معه في الصيدلية .
بعد سنة 1950 نقلت الصيدلية الى سوق القمح في باب التبانة من جهة شارع سوريا ، وحلّ مكانها في الميناء الحاج مصطفى قشلان المشهور ببوظة إش إش، وبقيت في التبانة إلى أن دمّرت في جملة ما دمّر في سوق القمح، أثناء حرب طرابلس العام 1983م.
كم شهد هذا الشاطىء البحري عبر التاريخ تبدّلات في المكان، فيما بقي موجه يناجي ليل الحكايات في كلّ زمان.

محمد قشلان

٢٨ تشرين الأول ٢٠١٨

كان “محمد قشلان" أبو مصطفى(1924-1997) ،الملقّب ب "إش إش" في الستينيات يعمل في بيع البوظة العربية مع شريكه "هدلا" في موسم الصيف، فيما كانت مأكولات الشتاء قائمة على بيع السحلب والمهلبية والرز بحليب.
قرر "أبو مصطفى" أن يجرب ويغامر في تصنيع نوعيّة جديدة من عصير الليموناضة ، من خلال عملية بسيطة بتجميد عصير الليموناضة بمكوناته البسيطة (الليمون والبرتقال والسكر )، وتحويلها لمادة ثلجية عن طريق "الأش بالمجرود"، فحقّق شهرة واسعة في كلّ المدن اللبنانية، فقصدوه من كلّ مكان، وخاصة في موسم الصيف .
كنا نصل إلى موقعه عبر قبوة الجامع العالي أو من صوب السقالة على طول الكورنيش البحري القديم ، حيث كانت ترتفع الأعمدة الفرنسية على سور يقوم على أعمدة صغيرة ، ندخل رؤوسنا بينها لنرى البحر، أو نسير على طرف السور.
راحت الأعمدة وراح السور وبقيت جرّة البوظة العربية تنادي العطاش إلى شاطىء الذكريات.

مع الشكر لغسان كلسينا

محمد بهلوان

٢٥ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد الجدّ محمد خليل بهلوان في جزيرة أرواد العام 1887 وقدم إلى الميناء العام 1912 واستقرّ فيه وكان يعمل قبطانا على المراكب الشراعية بين الإسكندرية وتركيا وطرابلس وبيروت.
تزوج وأنجب بنتين وثلاثة ذكور ابراهيم ومصطفى (1930-1984) وعشير ( رحمهم الله)، ولهم أبناء أعمام كثر توفي في الميناء سنة ١٩٧٠، من هنا أن أفراد العائلة منتشرون بين صيدا والطريق الجديدة وطرابلس.
اما ولده مصطفى قد تدرج مهنة السمكرة والأدوات الصحية عند الحاج أحمد عثمان في الميناء، وعمل في تعهدات البناء و الورش، وكان يتنقل بعمله على مساحة كل لبنان.
عمل مصطفى مع مؤسسة "أرمناك" ل"نرسيس دادايان" إلى جانب تصليح الشوفاج والصحية في البواخر، و كان يستورد بوابير والمصابيح اللوكس من قبرص حتى لُقِّبَ مصطفى الأرمني.
افتتح مصطفى العام 1974محلًا صغيرًا تحت الجامع العالي، مقابل ملحمة "كشباش"، وكان يعمل مع ولديه محمد وأحمد في الأدوات ألصحية وتصليح وتلحيم "بابور الكاز وقد ساهم في صناعة قازان نحاس لحمام الحطب" ، وما زال ولده أحمد في الميناء يعمل في الأدوات الصحية مع ولده مصطفى في بناية الزيلع( ساحة الأميركان).
أما الولد الثاني محمد فقد حلم بدراسة المحاماة، ولكن ظروف الحياة وقسوتها أخذت أحلامه، فقد أصبح مسؤولا عن العائلة بعد موت والده، وما لبثت أن دارت به الأيام وهاجر إلى أستراليا سنة 1996، حيث استقرّ فيها ويعيش اليوم هناك مع أولاده وأحفاده، إلّا أنّ روحه لا زالت تسبح في بحر الميناء تارة، وتدور بين أزقتها تارة أخرى، تعانق الذكريات القديمة، وتمسح الحزن عن الوجوه التي رحلت .

أبو مصطفى النبعة

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد محمد مصطفى النبعة في الميناء (1929-2015)، لا صورة له إلا مع عربته الصغيرة القائمة على أربعة قضبان حديد، مدهونة باللون الأزرق تنتهي بأربعة دواليب وترتاح عليها صينية بغطاء زجاجي، ترتاح عليها السمسمية والقضامية والعبيدية.
كان رفيق الجميع، يجالس الكبار والصغار. يدور في أزقة الميناء، يقف في أمكنة محدّدة تعارف عليها مع المشترين: في زقاق الطاحون، قرب سينما رابحة، ومقابل فرن شاطرية.
أنيقًا كان، شعره مسرّح دائمًا ومرتبًا، كان صديقًا للجميع كبارًا وصغارًا، وكم من مرة تلهّى بالحديث فيما كان الصبية يسحبون عربته الخفيفة الظريفة ويبعدونها، وحين ينتبه يسرع وراءهم ليعيد عربة رزقه إلى مكانها بانتظار بيع الإنتاج اليومي، إذ لديه ٣ شباب و٦ بنات.
رحل أبو مصطفى النبعة، واختفت عربته، ولم نعد نسمع "قرقعة" دواليبها . راح طعم الطيّبات المنقولة معه من حارة إلى حارة.لم يعد الباعة يعبرون الأزقة خفافًا فيما تطايرت الذكريات في دفاتر البال وأوراق الخاطر

عادل عبد الوهاب

٢٢ تشرين الأول ٢٠١٨

والده "عبد الغني عبد القادر عبد الوهاب". (...-1923) ،عُرفَ بتواضعه وبعمله وبقوله الدائم عن المولى:" هو الغني وأنا عبده".تزوّج ورزقه الله: خير الدين(1865-1944) ،عادل (1887-1966)، توفيق، شفيق، حلمي، آمنة، فاطمة، و بنى في بساتين الحارة الجديدة بيتًا له
انصرف عادل (المبدع في الإدارة والتنظيم، وهو من رفع العلم اللبناني على أوّل باخرة) إلى العمل البحري وتطويره، فكان أوّل من أدخل قاطرة تعمل على البخار ،وأسس مع شقيقه "خير الدين " أوّل اسطول لبناني، طرابلسي، ميناوي، فكان أول بابور العام 1920 اسمه "طرابلس الشام"، وكرّت البواخر: ليسبوس، الليرة (كانت باخرة ركاب تنقل الحجاج إلى مرفأ جدة وبقيت تعمل إلى العام1958)، ألستن، سيريوس، بورياس، أمين، رضا، أنور.
عمد "عادل" في العام 1951 إلى إنشاء محطة إرشاد السفن وهي الآن قرب مركز البريد، حيث تتمّ مراقبة حركة دخول السفن وخروجها، وقد عمد "عادل " العام1951 بالتعاون مع آل بلطجي ( محطة الإرشاد في مرفأ بيروت)، إلى وضع قانون ينظّم عمل إرشاد السفن حيث يتم ادخال البواخر الى حوض المرفأ و"تلبيص" الباخرة على الرصيف المحدد لها بواسطة مرشدين (قباطنة ) مجازين من وزارة النقل، بمؤازرة القاطرات التابعة لمحطة الارشاد، وكذلك عند انتهاء الباخرة من التفريغ يتمّ اخراجها بنفس الطريقة، كما أشرف"عادل" في الأربعينيات على بناء كاسر الموج (السنسول).
أما الآن وقد تحققت رؤية "عادل" في تعميق المرفأ (شركةVianin i)Italy بين 1957 و1961" لاستقبال السفن الكبيرة .
"عادل" وآل عبد الوهاب ما زال البحر يموج في أعينهم، وقد اهتموا بتصليح السفن أيضًا في الجزيرة المعروفة باسمهم، ولأنّ البحر كان بحرًا معهم خصّصوا منحة في الجامعة الأميركية باسم "خير الدين وعادل " وهي حصريّة بالمتفوقين من أبناء الميناء، ومنحة باسم عفيف وزمزم عبد الوهاب .
هذا الأسطول البحري الذي بناه آل عبد الوهاب أتت الحرب عليه ودمّرت كلّ شيء. لم يبق إلا الإرشاد البحري علّ الرشد يعود، كما وعاه "عادل" لتطوير المرفأ وتحديثه لحركة اقتصادية تعيد للميناء ألقه وحضوره التجاري والسياحي.
الصورة: من اليمين عادل ومن اليسار خير الدين

خير الدين عبد الغني عبد الوهاب

٢١ تشرين الأول ٢٠١٨

انصرف خير الدين عبد الوهاب (العقل المبدع في مجالات البحر)(1865-1944) إلى الأعمال البحرية دون أن ينسى الاهتمام بإخوته ورعايتهم فها هو يحاول تهريب أخيه الصغير "حلمي" من الجندية في سفر برلك، وقد كان يدرس الطب في الجامعة الأميركية العام 1915، فيركب "خير الدين" مع "حلمي" مع بحّار في مركب صغير من ميناء طرابلس، لينقله إلى الباخرة الرّاسية في عرض البحر والمتّجهة إلى مصر، إلّا أنَّ الزورق الصغير غرق نتيجة سوء الأوضاع الجوّية، فلم يصل إلى الشاطىء غير "خير الدين" والبحّار واختفى "حلمي" في ظروف ماسأوية.
أسس "خير الدين" اسطولًا بحريا مع أخيه "عادل"، وعرفا كيف يديران حركة ملاحية تجارية أزهرت أعمالا في مرفأ المدينة، وخلقا فرص عمل لعشرات أبناء الميناء.
تولّى خير الدين رئاسة مجلس بلدية الميناء العام 1934 إلى وفاته العام 1944،وتألف المجلس يومها، برئاسته ،من الأعضاء:رشاد يحيى وناجي حولا وأحمد غازي والياس عازار وسركيس سركيسيان وجورج بندلي.
لما تعاطى الشأن البلدي العام لم يجد بدًّا من السكن في زقاق الطاحون، الشريان الرئيس، ومدخل السوق الاقتصادي للميناء وملتقى أبناء الميناء فاشترى"خير الدين" بيتًا وحديقة كبيرة من آل الزحلوط في الزقاق المذكور وما زال إلى اليوم.
ولما توسّعت أعماله البحرية استطاع أن يكون مساعد قنصل لأميركا ما سهّل له موضوع تطوير مشاريعه البحرية، وتوفير فرص عمل لأبناء بلدته، ولاستيعاب الحركة الاقتصادية، وتطوير قدرات مرفأ طرابلس، خاصة وأنه في زمانه كانت تنقل البضائع من البواخر الراسية في الخارج بواسطة المواعين إلى الرصيف.
حين توفي "خير الدين" كبير آل عبد الوهاب، خرجت الميناء تستقبل جثمانه، الآتي من الجامعة الأميركية في بيروت، عند مدخل المدينة، وساروا به إلى بيته حيث كان بانتظاره الزعيم عبد الحميد كرامي(1890-1950) ووجهاء الميناء وأعيانه، وتمّ التشييع وسط صوت المآذن وقرع أجراس الكنائس حزنًا في ميناءٍ يعرف نسيجه الأهلي كيف يكرّم أوفياءه ويحفظ ذكرى كباره.

روز أنطون

٢٠ تشرين الأول ٢٠١٨

تحية من لبنان إلى لندن، لمن جمعني به الفايسبوك، دون أن أعرفه شخصيا ،الصديق فادي سوق الذي أهداني كتاب" روز أنطون" موقّعًا من مؤلفه أحمد أصفهاني"، بانتظار استلامه. مع الشكر.
على هذا الشاطئ البحري، وفي الحي المجاور لكنيسة النبي إلياس، ولدت " روز أنطون" في الميناء (1890- 1980) . التحقت بمدرسة البنات الأميركية. ثمّ هاجرت إلى مصر ملتحقة بأخيها "فرح" (1874-1922) الذي كان قد سبقها إلى الهجرة في سنة 1897، ووقعت عقدًا مع المرسلين الأميركيين لإدارة مدرسة للبنات، الواقعة في حي الإبراهيمية، في مدينة الإسكندرية، حيث عملت مدّة ثلاث سنوات.
ولما كان "فرح" قد أسس في 15 أيار سنة 1899 مجلة «الجامعة العثمانية»، أخذت روز تكتب فيها بين الحين والآخر. وعندما انتهى عقد العمل مع المرسلين الأميركيين، قررت البقاء إلى جانب أخيها في الإسكندرية، فساعدها في الحادي عشر من نيسان سنة 1903 على تأسيس مجلة شهرية خاصّة بها، دعتها «مجلة السيدات والبنات» توقفت عن الصدور في عامها الثاني، ثم عاودت الظهور في عامها الثالث بعنوان «مجلة السيدات». وظلت تصدر حتى سنة 1906.
بعد ذلك هاجرت روز مع أخيها "فرح" وخطيبها الأديب "نقولا الحداد" )1878-1954) الذي كان يحمل شهادة في الصيدلة من الجامعة الأميركية في بيروت، إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1907 للعمل على إصدار مجلة «الجامعة» من مدينة نيويورك.
هناك شاركت بفعالية في إدارة المجلة وتحريرها ، كما ساعدت أيضاً في أعمال العائلة التجارية بعد فشل المشاريع الصحافية المشتركة. ثم تزوجت من نقولا في 20 آب سنة 1909 ورزقا ثلاثة أبناء هم فؤاد ولوريس ولورا (ولدوا بعد الرجوع إلى مصر).
في أعقاب عودة الحياة الدستورية إلى السلطنة العثمانية سنة 1908، وبروز بوادر انفراج سياسي في المنطقة، قررت العائلة مجتمعة العودة إلى مصر سنة 1909، حيث استأنف فرح إصدار مجلة «الجامعة» التي لم يظهر منها سوى عددين: الأول في كانون الأول سنة 1909 والثاني في كانون الثاني سنة 1910، ثم توقفت نهائياً عن الصدور. وفي حين واصل فرح الكتابة في مطبوعات عدة منها «الجريدة» و «المحروسة» و «اللواء» و «البلاغ المصري» و «مصر الفتاة» و «الوطن»، كما عمد نقولا إلى تأسيس صيدلية في حي شبرا بالقاهرة، وعمل في الوقت نفسه في مجلة «المحروسة» لصاحبها إلياس زيادة والد الأديبة المعروفة مي زيادة(1886-1941).
من بحر الميناء الواسع نهلت الأديبة"روز" مع أخيها الفيلسوف"فرح" واشتغلا أدبًا وصحافة وفلسفة. صار كلّ واحد منهما قاموسًا ومرجعًا .عادا إلى أصولهما لم صار كلّ واحد منهما قاموسًا في مجاله، فالقاموس لغة هو البحر العظيم، وقد رافقا سكونه وجنونه منذ طفولتهما ،وسكن يإيقاعه روحهما، فكان بحر الميناء مصدر إلهامهما.

عفيف عبد الوهاب

١٩ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد شيخ الأطباء عفيف بن خير الدين عبد الوهاب في الميناء (1915 -2003). تلقّى العلم في الكلّية الإنجيليّة ليتخرّج منها العام 1932 حائزًا البكالوريا اللبنانية.
التحق بالجامعة الأميركيّة في بيروت ليتخرّج طبيبًا العام 1941، لكنه تابع التخصّص في الجراحة العامّة العام 1945 على يد الجراّح الدكتور سامي الحداد.
لم تخرج مدينة الميناءمن مبضعه وتضميده الجراح، فرأى العودة إلى الثغر البحري ليؤسس مستشفى الميناءمع الدكتور دانيال كاتبة وانضم اليهما الأطباء ريشارد جبارة، عبدالله سعادة وجوزيف يمّين.كانت المستشفى تقوم في بناية عبد الوهاب على مستديرة البوابة ( مخفر الدرك الحالي).
إلّا إنَّ حلم عفيف والفريق الطبي تخطّى حدود الميناء ولبنان ليؤسسوا مستشفى العاصي في حمص العام 1947، والمستشفى اللبناني في السعودية- جدّة العام 1950 ، ومستشفى الشرق مع شركة آرامكو في الخُبر -السعودية 1962.
تقديرًا لأعماله الطبيّة وعمله في تأسيس المستشفيات لخدمة المرضى، منحه الملك سعود بن عبد العزيز(1902-1969) الجنسية السعودية العام 1953، وتقديرًا من عفيف لطلاب العلم أعلن منحة سنوية في الجامعة الاميركية باسم والده وعمه خيرالدين وعادل عبدالوهاب مخصصة لأبناء وبنات الميناء، كذلك وديعة لداراليتيمة مخصّصة لتعليم اليتيمات في الدار، وذلك العام ١٩٩٢ ، وقداستفاد ،من هذه المنحة، عدد غير قليل، بعضهن أصبح ممرضات والبعض تخرّج من الجامعة اللبنانية (مختبر،علوم اجتماعية الخ.).
عفيف بن خير الدين عبد الوهاب من عائلة أعطت الميناء بحرًا وطبابة وخدمات اجتماعية، كما فعل شيخ الأطباء الذي أسس في الميناء مؤسسة باسم "جمعية المساعدات الخيرية" لتكون إلى جانب موجوعي الميناء كي تبقى المدينة البحرية ميناء يرسو فيه بحّارة العمر آمنين مطمئنين.

حنا معوض

١٨ تشرين الأول ٢٠١٨

في زمن القلّة نزل حنا معوض (١٩٠٠- ١٩٥٠) من زغرتا إلى الميناء، سكن على طرف الحديقة التي تحوّلت اليوم إلى القاعة الرياضية المسقوفة مقابل بيت "الحزوري".
ينقل أولاده عنه أن والدته، زمن الحرب، كانت تعطيه كسرة خبز صباحًا، وتقول له: اطلع تناول فطورك من التينة.
في سنة الاكتتاب العام ١٩٣٢ تسجّل حنا معوّض في سجّلات "الأسكلة" يومئذ لسكنه فيها سنين طوال آتيا من سهول زغرتا إلى بحر الميناء للارتزاق، وليعمل سائقا للقطار ما بين طرابلس وحمص والجوار.
تعلّم أولاد حنا: جورج ،جوزيف(اشتغل ايضًا بالمحطة) ونجيب وريمون وبناته في مدرسة الفرير القديمة مقابل الشاطىء الفضي وفي مدرسة مار إلياس.
انصرف ابنه جورج إلى التعليم في مدرسة الفرير القديمة تحت إدارة أستاذ"مفيد" وكان صديقًا لكثيرين، وأهمهم ساسين صالح وأوغست نجار الذي كان يدير محلا لتصليح الدراجات الهوائية.
وحين سنحت لأولاد "حنا" فرص عمل في بيروت، انتقلوا العام ١٩٥٧ للسكن والعمل في العاصمة. ولكن وإن انتقل الاولاد إلى بيروت، إلّا أن أحاديثهم مع أولادهم لم تكن تحمل غير الشوق إلى الأسواق القديمة والحكايات القديمة.
حين التقيتُ حفيده جان، ابن استاذ جورج، في الميناء سألني عن الحجر والبشر، عن ألف ليلة وليلة قضاها جدّه يحكي لهم جمالات مدينة بحرية لم يعيشوا فيها ولكنها معششة في خواطرهم ومشاعرهم.

علي قصّاب

١٨ تشرين الأول ٢٠١٨

علي (قرباطيه) قصاب
فرح عبد القادر (قرباطية) قصّاب(1865- 1911) بولادة ابنه فأطلق عليه اسم "علي" (1911-1965) تيمّنا باسم والده.
أنجب "علي" ٥ شباب و٦بنات هم :عبد القادر، ( توفي) ،رضوان،مروان،بدريه،فاديا،مصباح،هلا، رشيد،آمال،سوسن وهويدا.
اشتغل "علي" مع أخيه "عبّود"، في الأربعينيات، في الزراعة وتعلّماها من خالهم الحج أحمد العصافيري الذي كان يشتغل في مشاتل: شارع مار إلياس، وشارع البلدية (إلى يمين الصورة)، ومن أصحابهم: فهد المالطي، خالد كشباش، حلمي اللون، مصطفى زكور ووهيب مشلوش.حيث كانوا يبيعون في الشتاء الباذنجان والبندوره وغيره إلى قرى زغرتا.
كان علي كريمًا محبًّا لأهل الميناء، يساعد وهيب مشلوش بنقل الخضار إلى باب التبانة على العربة.
في العام 1966 حمل ابنه مروان قصّاب حقائبه وهاجر إلى استراليا، ولما استقرّ أرسل في طلب إخوته وهم جميعًا هناك الآن.
منذ هاجر آل قصاب، هجر الزرع بساتين الميناء، وتلهّت الشمس بتبريد الباطون، وانصرفت عن تبريد وجوه ورق الورد والناس. راح من راح وضاعت حبّات الياسمين بين حبّات الزّفت.

وهيب نيني

١٧ تشرين الأول ٢٠١٨

كان الميناء يعني له الكثير، بأحيائه وأحبائه، فلا عجب إن رأيته يوميًّا يفتقد أزقته وعائلته.
وهيب نقولا نيني (1896-1995)، درس في مدرسة الفرير، ثم عمل في أحد المصارف، وفي الوكالة الروسية للتجارة.
لكنه حين أكمل الثامنة عشرة من عمره دخل كلّية الطب الفرنسية في جامعة القديس يوسف في بيروت لينال شهادة الطّب العام 1920.
سافر الى باريس للتخصّص في الجّراحة العامّة.
عاد إلى طرابلس التي أحبّها مصرًا أن يخدم بيئته وناسه، فعيّن العام 1926 ، جرّاحّا للمستشفى الحكومي في طرابلس بعد إجراء امتحان للمتقدّمين،.إلّا أن طموحه لم يقف هنا، بل عمل على إنشاء مستشفاه الخاص، أوّلا في مبنى الوقف الأرثوذكسي في الميناء( مبنى النادي اليوناني قرب مركز البريد) العام 1928 لينتقل لاحقًا إلى شارع يزبك في طرابلس ، ثمّ نقله الى مبناه الحالي ، الذي كان في آخر الدني يومها، حيث كانت سيارة الأجرة تنزلنا عند مفرق دائرة التربية لنسير باتجاه موقع مستشفى نيني حاليا، قبل أن يمتدّ العمران وتنفتح الطّرقات.
حاضر وكتب عشرات المقالات الطبّية والجراحيّة بالعربيّة والفرنسيّة والانكليزيّة، وله كتاب مخطوط "نحن واليهود" حيث يدافع فيه عن الحقّ العربيّ أمام التّحدّي الصّهيوني، ويكشف النّقاب عن كثير من مواقفهم المؤذية. كما له كتاب "الطبيب ومسؤولياته"، ذكر فيه حادثة صبيّ كسر يده العام 1931 تقريبًا، فأتت به والدته إليه، فلمّا أخبرها بضرورة إجراء عمليّة لإصلاح الكسر رفضت، ونقلته إلى مجبّر عربي عالجه بالّتي هي أحسن، كدلالة على الصراع الذي عايشه ما بين الطبّ الحديث وطرائق الطبابة القديمة، ثمّ أسرّ لي في لقاء معه في الثمانينيات، أنّ هذا الصبي هو والدي عبدالله (1921-2010) .
استطاع وهيب نيني ابن المدينة البحريّة، بعلمه وذكائه، أن بخرج من شرايين هذا الثغر البحري إلى أرجاء المعمورة، فكان عضوًا في الجمعية الدوليّة للجراحة الدوليّة، وعضوا الجمعية الدولية للجراحة العظميّة، وعضوًا في الجمعية الطبيّة اللبنانيّة الفرنسيّة للشرق الأوسط .
أمل وهيب نيني أن يكمل ابنه الدكتور نقولا (1934-1985) مسيرته الطّبية وتطوير المستشفى، إلّا أنَّ الموت عاجله بحادث سيارة ،فاستكمل "وهيب" الجدّ المسيرة لترسو المستشفى عامرة بين يدي "وهيب" الحفيد الذي حافظ على إرث جدّه وأبيه في خدمة مرضى الشمال وطرابلس عامّة وأبناء بلدته الميناء بشكل خاصّ، ووهيب الحفيد ، إن أضعته، تراه يمخر عباب بحر الميناء سباحة في مياه الذكريات، أو يمارس صيد بعض مشاهد العمر العتيق الّذي رحل.

عدنان زكي درويش

١٦ تشرين الأول ٢٠١٨

حين نشأ الطفل "عدنان" (1927-1997) في أزقة الميناء يتأمل القناطر العتيقة والشرفات الخشبية والمشربيات العربية، لم يكن يظنّ أنّ التربية ستكون مساحات عمله وآفاق طموحاته.
جاهد ليتعلّم، وليفكّ الحرف، واستطاع بتعبه وسعيه أن يتنقّل في دراسته بين المدرسة الجديدة والكلّية الإسلامية، ليبدأ العام 1950
مسيرته بالتعليم، الى جانب متابعته تحصيله العلمي . حاز على ماجيستر في اللغة العربيّة وآدابها من الجامعة اليسوعية دارسًا التراث العربي في موضوع:" الأخ في الجاهليّة"، بإشراف العلّامة فؤاد أفرام البستاني ، وله كتب منها: شرح دواوين مجنون ليلى،كثير عزّة وقيس لبنى.
مارس التعليم معلمًا في مدرسة القبة ثمّ انتقل إلى مدرسة التهذبية ليصير مديرًا لمدرسة "النصر" ، التي كانت قبلًا "مدرسة حي بوابة الميناء الرسمية"، في شارع علم الدين قبل أن يتابع إنجاز بنائها الحديث حيث هي اليوم. من هنا يأتي سبب تسمية المدرسة المذكورة باسم"مدرسة عدنان زكي درويش الرسميّة للصبيان" بعد موافقة وزارة التربية على توصية مجلس بلدية الميناء.
مارس التعليم الثانوي بين الأعوام 1977-1984 في ثانوية الميناء ليتولّى إدارتها بعد رياض بيضون .
تسلّم دائرة التربية 1983 -1991 بعد بسيم بحليس (...-2012)، ومثّل العام 1976 لبنان في برلين في عداد وفد من مدراء المدارس من البلدان العربية.
أشرف على إدارة مؤسسة الأيتام الإسلامية في الأعوام 1976 -1982،وكان من مؤسسي جمعية مكارم الأخلاق الإسلاميّة، كما كان قائدًا لفوج الميناء في الكشاف المسلم ،مطلع الخمسينيات، وكان في عداد الوفد الكشفي الذي قابل في القاهرة جمال عبد الناصر(1918-1970).هذا وتعاون مع الرئيس رشيد كرامي (1921 -1987) على نشر المدارس الرسمية في مناطق عكار و الضنية والبترون.
تزوج من منيرة عبدالله الشامي العام 1953 وأنجبا : زهيدة ووسيم وحلمي وسامر، فكان لهم الأب والمرشد والدافع لطلب العلم فتميّزوا كما أرادهم تتويجًا لنضاله في طلب العلم ورعاية طلابه الذين كان ينقلهم بسيارته إلى المدرسة، كما زرع حبّ الثقافة في قلوب أبنائه ليشهدوا له، بعد موته، ولمناقبيته وتعبه وسعيه، ليخدم مدينة بحريّة أحبّها وكان لها منارة اهتدى بها من تلقّى الحرف على يديه.

رشيد الخيال

١٦ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد "رشيد" في الميناء(1923-1982)، وله أخوان العشي محمد ديب (1890-1959)، وإبراهيم (1911-1976). يعرفهم الناس بلقب "الخيّال" فيما اسم عائلتهم في السجلات "الحسين".
يعود السبب إلى أنّ الجدّ يوسف الحسين (1855 -1928) ، من القبيات في عكار، كان يعمل "خيّالا" مع الدرك العثماني، وكان يجول على حصانه في المناطق، فغلب اسم"الخيّال" على اسم العائلة الرسمي.
تزوج رشيد وأنجب: يوسف(توفي)، فاطمة، سناء،محمد ديب، مصطفى(توفي)، وليد، سلوى،سلام. غادروا جميعًا إلى استراليا باستثناء فاطمة ( أرملة المرحوم محمود حداد صانع المفاتيح عند مدخل شارع علم الدين) في الميناء.
استلم رشيد مطعم أخيه محمد ديب (1887- 1959)، بعد وفاته، فاشتغل مع أولاده في مطعم “الفول والحمص والمأكولات العربيّة" الشهير تحت قبوة الجامع العالي، فكانوا يوزّعون صواني الأكل على الشركات والمطاعم والجمرك وسكة القطار ومعامل الليمون والتفاح في منطقة البوابة.
حين سافر ابنه "وليد" إلى قبرص، أحبّ "رشيد" أن يزور ابنه، فركب قدره في السفينة التي انفجرت بعد ان انطلقت من الميناء الى قبرص يوم ١٧ حزيران ١٩٨٢.
رشيد الخيّال كان مرتاحًا تحت قبوة الجامع العالي، فلمَ طلبَ السماء والبحر ؟ لعلّه كوالده أراد أن يركب البحر، عوض البرّ، ويجول فيه "خيالًا" ليرى صغير بنيه، فكبا جواد عمره ومضى.
رشيد الخيّال كان السوق القديم عنده قدّ الدني، يكفيه وجوه أصدقائه ومنهم عبد الرؤوف رفقي البك، الحلّاق فضل كلسينا، أبو علي الكردلي، اللحّام حسن ولطفي نيكرو ومصطفى الأرناؤوط ودبج، وميسي، وميشال قطرميز (1922- 2018) الذي كان يخيط الثياب لأولاده، وكم كانت تحلو جلساته عند" شكري زبانة" على رصيف محلّه مقابل سينما فكتوريا.
يلوّح أبناء "رشيد" من آخر الدنيا لذكرى أبيهم المزروعة في قلوبهم حبّات قمح، لوّحتها الشمس ،ورمتها طيور النورس على شواطىء القلوب والجفون

عرفات غندور

١٥ تشرين الأول ٢٠١٨

عمل عرفات (1913-1978)، منذ طفولته، في صيدلية" البحر"، حيث مارس وخز الإبر فيحوز بخدمته محبة أهالي وسكّان الميناء وثقتهم، مما دفعه الى الترشح العام 1963،الى منصب المختارية، حيث فاز بتفوق .
للمختار عرفات تسعة أولاد وهم :محمد المعروف بعامر (أستاذ ثانوي)، سافر الى كندا، وأربعة أبناء في استراليا: هم عبد الفتاح ورضوان، والمختار الأسبق سمير ومروان، وبقي في لبنان المختار سالم وثلاث بنات .
بعد انتخابه داوم المختار "عرفات" على خدمة الناس في مهنته القديمة، وبملاحقة أعمالهم وقضاياهم في الدوائر الرسمية كمختار، يشارك الناس في حلّ مشاكلهم وانجاز معاملاتهم خاصة الشائكة منها.
بعد وفاته حافظ المسؤولون على مزاياه، مقدّرين خدماته الجلى، فعينوا ابنه “سمير” مختارًا لمدينة الميناء، وذلك بموجب مرسوم جمهوري ايّام رئيس الجمورية أمين الجميل، وبقي أبناء الميناء على وفائهم وتقديرهم للمختار المرحوم عرفات عبد الفتاح غندور ، ففي العام 1998 ،انتخبوا ابنه سالم مختارًا للمدينة، وجدّدوا انتخابه في الأعوام 2004، 2010، 2016 رغم حماوة الانتخابات سائرًا على خطى والده.
“عرفات غندور” ما زال يلقي التحيّة على أهله وجيرانه في مكتبه الصغير عند الزاوية، على مدخل ترب الإسلام في السوق القديم، حيث أطلق مجلس بلدية الميناء العام 2018 اسمه على الحيّ تقديرًا لخدماته، وحيث ما زال ابنه سالم يتأمل صورة أبيه المعلّقة في المكتب، مستذكرًا مسرى حياة جدّه وأبيه، وإرث الخدمة الملقى على كتفيه لأبناء الميناء، ومفكّرًا بإخوته الذين أصابتهم الهجرة، كما أصابت غيرهم من أبناء البحر الذي ترك في عيون المقيمين والمهاجرين حرقة الملح العتيق.

الشيخ أنور سمنة

١٤ تشرين الأول ٢٠١٨

كان رغيف الخبز في فرن الشيخ "أنور" (1910 -1972) يشبه مدينة الميناء، الّتي ولد فيها، إذ لا تميّز بين أبنائها. ليس هناك من سبب واضح لإسقاط لقب"الشيخ" من كنية العائلة، إلا أن لقب "سمنه" يعود إلى أحد الأجداد الذي كان "شيخ تجّار السمنه" فلقبت عائلته ب"الشيخ سمنه". اشتغل "الشيخ أنور" في فرن والده "منير" (1887-1947) الذي أسسه أوائل القرن العشرين ، في زقاق الطاحون، وتزوج سنة 1941 وأنجب تسعة أولاد: خمسة ذكور و أربع اناث وهم بالتوالي: "منير ،زهير، سعاد ، عصام ،هدى، هلا، ممدوح، ثناء و عامر".
كان "الشيخ أنور" الذي يعرف قيمة رغيف الخبز ، شأنه شأن عمال الميناء علماني الفكر، فلا عجب إن انتسب مع المناضلين إلى الحزب الشيوعي اللبناني بتاريخ ١٩٣٢ وواجه خطر عقوبة السجن ثلاث سنوات لقاء توزيع منشور.
كان يعرف أن أفواه الفقراء تزيد، وأنّ الجوع لا يرحم، فكان يوصي ابنه البكر "منير" بأنّ يقدّم الخبز مجانًا، لأي سائل، وخصوصًا لصيادي الأسماك الذين كانوا في زمانه من أكثر الناس فقرًا، وكم كان يحزن اذا ذهب أحدٌ إلى بيته بدون خبز، فهذا يعني أنه وعائلته سينامون بدون عشاء.
كان حريصًا على أن يقدّم للفقراء أجود أنواع الخبز لإيمانه أنّهم ،ربمًا، سيتناولونه "حاف"، بدون طعام، أو مع حبّات زيتون أو "رشّة"زعتر.
كان الشيخ "أنور" أوّل من حوّل العمل اليدوي في الفرن إلى آلي العام 1960، وتمّ افتتاحه في حضور محافظ الشمال منير تقي الدين ورئيس بلدية الميناء يومئذ أحمد غازي.
بين "منير" و"أنور"، اكتملت دائرة الرغيف الطيّب المجبول بعرق العمال، وخطوات الصيادين ليلاً، وهم عابرون خفافًا إلى عرض البحر للارتزاق. في هذا الميناء يأخذ رغيف الخبز وجه المحبين فيزداد الشوق إلى بيت النار لذَهَبٍ باقٍ في النفوس وما ذَهَبَ بعيدًا.

عمر الحاج عمر

١٣ تشرين الأول ٢٠١٨

ولد "عمر الحاج عمر" (1887- 1992) في جبلة السورية أيام الحرب العالمية الاولى.
نزح إلى الميناء، وسكن في الحارة الجديده وتزوّج من الحاجة "بدريه صبره" شقيقة "أحمد صبره" ( أبو العبد) (1918- 1980)بائع السحلب والفول، في السوق مقابل مسجد غازي.
أنجب ٤ شباب و٤ بنات: أحمد (ابو عمر)(1937-1999) ، ومحمد( أبو خالد) (1946-2008) ، وبدر (أبو فيصل) (1948-1999)رحمة الله عليهم، ومصطفى (أبو عمر) المقيم في ولاية فلوريدا الأمريكية،ولديه ٣٧ حفيدًا، حماهم الله ورعاهم.
اشتغل الحاج عمر بالحليب وتوزيعه على البيوت، ولا زلت أذكر مروره على الدراجة الهوائية باكرًا في أوائل الخمسينيات، ليسكب لنا من "كوزه" النحاسي في أوعية ننتظره بها أمام الباب، من أجل حليب طازج وصحي .
انتقل الحاج عمر لاحقًا من الحارة الجديدة إلى السوق، قرب المختار عرفات غندور(1913- 1978)، ليؤسس أول محل أجبان وألبان باسم "عمر الحاج عمر وأولاده"، ولما ازدهرت أعماله بنى فوق المحل ثلاثة طوابق.
اشتغل الحاج عمر في هذا المحل الى أوائل السبعينيات ليستلم ابنه الأكبر مكانه احمد (أبو عمر)، الذي كنا نقصده لشراء المنتوجات البيضاء الطيبة المشغولة بأيدٍ استقرًت في الميناء وصارت من نسيج أهله مساهمين في تطوّره التججاري والعمراني في سوق عرف زمن بياض الأجبان والألبان و.....القلوب .

المختار أحمد صيداوي - زيتونة

١٢ تشرين الأول ٢٠١٨

المختار أحمد زيتونة 1920-1992؟
أذكر "أبو سعيد" في دكانه الصغير يبيع الزيت والزبدة وبعض الأصناف، وختمه ، كمختار، جاهز لتصديق إفادة أو صورة.
كانت الزبدة نشتريها بالوقيّة، وكان يقطعها بخشبة حادّة ويضعها في قطعة ورق لنحملها إلى البيت.
كان محلّه أو دكانه على مدخل الممرّ الذي يؤدّي إلى سوق الخضرة العامر يومئذ. يقع قبال محلّه إلى اليمين بيت فؤاد نادر على الطراز العربي، حيث الممرّ إلى المربّع السكني تحرسه تنكات الحبق وتوابعه.
كان أحمد زيتونة ، في الأصل من بيت صيداوي، ولكن بسبب نشأته في بيت عائلة زيتونة، أخذ اللقب وصار مختار الحيّ (بالتعيين ١٩٧٨ -١٩٨٥) ، فكان الممرّ المزهر إلى قلوب المواطنين، يعرفهم ويخدمهم ويسهر على رعاية أمورهم في حضورهم وغيابهم.كان دكانه صندوق بريد الميناء، فأي مغترب كان يعنون رسالته كالتالي ...
طرابلس الاسكلة: يصل ليد احمد زيتونة ومنه ليد ......"، كما تجد على يمينه حيث يجلس لوحة خشبية ملأى بالمفاتيح المعلّقة على مساميرٍ، هي مفاتيح بيوت عائلات غائبة لأيام في مناطق لبنانية، أو سورية، بداعي العمل أو الزيارة، فكانوا يعلقون مفاتيح بيوتهم على لوحة المختار إلى حين عودتهم من المشوار.كان"مستودع أمانات" لأمانته فكان الناس يضعون عنده أموالهم ومصاغهم ويطلبونها عند الحاجة.
أحمد زيتونة كان مفتاح الحيّ، يوم كانت الأبواب موصدة بحبٍّ ومزهرةٍ بياسمين الودّ.

هاشم طه الحسيني

١٢ تشرين الأول ٢٠١٨

هاشم طه الحسيني1905-1997
ما زلت أذكر وقفته بردائه الأبيض في ذلك اليوم يشرح لجدّتي وضعها الصحي في مستشفاه في الميناء، ذات يوم في أواخر الستينيات، قال لها: "انكسر الورك إثر الوقعة وسنضع مسمارًا ولكن لا شيء مضمونًا". لم أفهم يومها ما معنى "المسمار" ولكنّي فهمت من رضى جدّتي عليه أنّ المرضى يحبونه ويثقون به، خاصة وأنّه أحبّ الميناء البحري حيث درس في مدارسه، لينتقل إلى دمشق ليدرس الطب.
عاد إلى الميناء وافتتح عيادة، بعد أن عمل عامين في اليمن، كما طبّب في المستشفى الإسلامي بعد أن أسسه الراحل عبد الحميد كرامي(1890-1950) العام (1945)، في مبنى على البولفار، بمساعدة مشروع" قرش الفقير" الذي فرضته وزارة الاقتصاد الوطني إبان الحرب العالمية الثانية على المواد الاستهلاكية ، ومن التبرعات التي قامت بها دائرة أوقاف طرابلس من عقارات وأموال نقدية، وانتقل المستشفى إلى المبنى في شارع عزمي العام 1955.ثمّ عاد هاشم الحسيني وأسس مستشفاه الخاص عند مدخل الميناء قرب بركة المرج.تزوج سلوى مصباح مقدّم (1926-2018) وأنجبا : ثريا (توفّيت) ، هناء، محمد ( توفّي)، سناء (توفّيت)، غادة، أحمد، هدى.
رشحه أهل طرابلس والميناء للنيابة العام 1951 وبقي نائبا إلى العام 1992 متحالفًا مع الرئيس رشيد كرامي(1921-1987).
خدم الدكتور هاشم عائلات الميناء طبيًّا وتعليمًا جامعيًّا، إذ سعى لتأمين منح كثيرة للشباب للدراسة في الاتحاد السوفياتي سابقًا، خاصة وأنّه تولّى رئاسة جمعية حركة السلم وجمعية الصداقة اللبنانية السوفياتية.
هاشم الحسيني، لم تصرفه النيابة عن خدمة الناس إذ لا يعرفه صيادو الميناء وأبناؤه إلّا بلطفه وهدوئه، كما عرفته تلك الأزقة القديمة نزيل القلوب ومضمّد الجراح ، فلا عجب إن أوصى، عند موته، بخروج جثمانه من مستشفاه إلى دار البقاء ليبقى في ذاكرة الناسِ حامل همومهم ومخفّف أوجاعهم.

مصطفى المالطي

١٠ تشرين الأول ٢٠١٨

لم نستطع الابتعاد، فقد غمرنا موج محبتكم، وخاصة من أبناء الميناء في المهاجر البعيدة... فعدنا....

مصطفى المالطي (1910- 1965)، المعروف ب"أبو فهد" من لا يذكره؟ ومن لا يذكر عربته المشهورة تكرج على دواليبها الثلاثة وقد زيّنها بصور الممثلين والممثلات، وكان قد ألصق على أطرافها قطع العملات المعدنيّة القديمة.
على هذه العربة كانت ترتاح صواني النمورة والسمسمية وجوز الهند والقضاميّة وغيرها من الحلويات التي كان يصنعها نهارًا ويحمّصها في فرن جاره "الحنتور" قبل أن يدور بعربته في الأزقّة حيث كنا بانتظاره.
كان "أبو فهد" حريصًا على إيقاف عربته على مفرق البلدية القديم من ناحية شارعي بور سعيد ومار إلياس، حيث يتنزّه الناس عصرًا ليلتقي بهم، ثمّ يعمد إلى الوقوف مساء في ساحة الترب قرب كنيسة القديس حاورجيوس وقرب بابي سينما "رابحة" و"سلوى".
اشتغل "أبو فهد" مع أخيه الكبير محمد، أبو صلاح، الذي اهتم بتربيته، بعد أن ذهب والدهما إلى العسكرية التركيّة الإجبارية "سفر برلك"، ولم يعد ولم يُسمع عنه أي خبر. اشتغل الأخوان "فهد" و"محمد"بالحلويات والعصائر ، كما تعلّم "فهد" لاحقًا تصليح الساعات. حين تزوج "أبو فهد"، سكن في زقاق الطاحون، ثمّ انتقل إلى بيتٍ خلف "خان التماثيلي".كانت كلّ الأزقة دياره، يعرفها حجرًا حجرًا، ويعرف أهلها وجهًا وجهًا كما عرفوه.
تزوج "أبو فهد" وأنجب "فهد" و"علي" و"محمود" ( توفي في استراليا) وابنة، رحمهم الله ،وأطال بعمر "سمير"، وأخته التي تعيش في استراليا مع عائلتها.
"أبو فهد" من تاريخ الميناء البحري ، كان يعرف قيمة السُّكَّرِ في هذه المدينة المالحة، فكان لأهله طرافة حضور، وحلاوة عيش ميناوي أصيل

توفيق صالح

٧ تشرين الأول ٢٠١٨

(في الصورة: توفيق صالح)
غادر إلياس ( ١٨٢٧-١٩٠٧) قرية حردين في العام ١٨٤٠ مع بعض أهاليها قاصدين ميناء طرابلس هرباً من الفاقة وسعياً وراء الرزق أسوة بالعيال المارونية التي نزحت في ذلك الزمن العسير من أنحاء الجبل إلى الساحل، خاصة بعد وفاة والده صالح وهو لم يزل طفلاً،كما يذكر نعيم صالح (١٩١١-١٩٩١) عن جدّه إلياس والد توفيق الذي وصل الساحل ( الميناء) .
استطاع الياس أن يعمل ويبني في الميناء بيتًا ودكانًا وفرنًا ، بفضل مزاولته البيع والشراء بأصناف السمانة ،مقابل سينما فكتوريا اليوم الذي تحوّل الآن إلى مكاتب للمدرسة الأنطونيّة.
هنا في بيت "الياس الزغبي" كان ينزل بعض الكهنة والرهبان الذين كانوا يأتون في فصل الشتاء ويحلّون ضيوفًا على كاهن الرعية.
أبصر الجدّ الأول "صالح الزغبي" جد "توفيق" النّور في قرنة شهوان، وناهز الماية من عمره. وكان بنو قومه ينادونه (الصالح) مما جعل هذا اللقب يغلب كُنية العائلة مع مرور السنين.
استوطن "صالح الزغبي" قرية حردين، وأستملك بساتين العصي الشهيرة. حين توفي "صالح" اضطرت ابنته "مريم"، لإعالة اخوتها اليتامى، إلى بيع أملاك أبيها، ومنها بساتين العصي، إلى مشايخ آل الدحداح .
في الميناء عمل "الياس" و تزوج ورزق بابنة اسمها "حنه" تزوجت إلى البرازيل. وبعد ترمّله، عاد وتزوج العام ١٨٧٩ من "زمرّد" ابنة "الياس سليم سركيس البيسري "من قرية برسا (قضاء الكورة). ورزق منها ثلاثة بنين ذكور بكرهم انطانيـوس ١٨٨١ ( هاجر إلى البرازيل ١٨٩٥) ، توفيق (١٨٨٦-١٩٥٣)، جميل(١٨٩٢)، ( لحق بأخيه انطانيوس إلى البرازيل ١٩١١).
أمّا "توفيق" فتزوج العام ١٩١٠ من ايزابيـل إبنة فـيسانتي لـوبوسكـو الإيطـالي الأصل من مدينة نابولي ،والمولودة في البرازيل، في مدينة سان جوزه دو ريو باردو ، التي كانت في زيارة مع اختها في الميناء، وأنجبا : نعيم، ميشال، ايڤون، بولس وساسين. أما نعيم فتزوج العام(١٩٤٨)، ، وسكن في بناية المشحم، مقابل مدرسة مار إلياس محاورًا صدى الريح البحرية والذي أنجب "توفيق" و"سيلفانا" و"مارلين" و"ايلي" و"كابي".
اشتغل نعيم ممثلاً لبلدية الميناء في الجمارك لتحصيل الضرائب البلدية، واستطاع في العام (١٩٣٢) ، عند الأحصاء العام، أن يشطب اسم الزغبي من أصول عائلته "نعيم توفيق صالح الزغبي" ليكتفي بلقب صالح، وهذا الاسم الجديد موثّق في سجل رقم ١/ الميناء من سجلات الموارنة، زمن مختار الميناء اسكندر باسيم.
مع بدء الحرب هاجرت العائلة كلّها ، كما هاجر كثيرون، متوجّهين إلى البرازيل في ضيافة أقربائهم من آل نصر من الميناء أيضًا، إلا أنهم عادوا بعد ستة أشهر إلى مدينة الميناء التي لم تغادر شرايينهم.
وتأتي حادثة تفجير قصر السلطان العام ١٩٨٠ حيث كان الأبناء "ايلي" و"كابي" يعزفان مع فرقة موسيقية إلى السفر من جديد إلى البرازيل، لينتقلوا بعد ذلك الواحد تلو الآخر، إلى كندا حيث عمّتهم "ايفون"، واكتمل اجتماع العائلة هناك العام ١٩٨٨.
كم تحمّل أبناء الميناء، من شارع هادىء في مار إلياس إلى البرازيل فكندا؟. عشر سنوات من القلق وعدم الاستقرار إلى أن استقر الوالد "نعيم" تحت تراب الغربة، بعيدًا عن هدير الريح وفقش الموج الذي ألفَهُ في عينيه وأذنيه، ما بين مكان عمله على السقالة وبين سكنه على الشاطىء الغربي.
آل صالح، كغيرهم ممن غسلوا أعينهم بالماء المالح، يعودون، كلّ فترة، ليطلّوا على ساحات طفولتهم وليكتبوا أسماء أبنائهم في سجلات المدينة، فالعالم لم يعد يكفي، والسهول ما عاد تتسع لسنابل الذكريات ورغيف الشوق والحنين.

عبدالله أحمد الشامي

٧ تشرين الأول ٢٠١٨

أمضى عبدالله أحمد الشامي(1907-1967)، طفولته على شاطىء الميناء، قبل أن يرسله والده إلى الأزهر في مصر، ليتلقّى تعليمه كما تلقّاه الوالد الشيخ أحمد الشامي (1888- 1938).
تولّى والده الشيخ أحمد منصب كاتب في دائرة الأوقاف الإسلاميّة في طرابلس ، وأنتدب لتأسيس دائرة أوقاف في طرطوس وأرواد العام 1928. عند استقراره تزوّج من "منيرة" ابنة الشيخ عبد الوهاب السيّد.
إلّا أن الابن عبدالله، بعد تخرّجه من الأزهر، وقد حلّ أوّلًا على دفعته، انصرف إلى الكتابة والتأليف،وكان فقيهًا وأديبًا.أسس جريدة التمدن الإسلامي التي استمرت بالصدور لثلاث سنوات (1927-1930). كان شاعرًا وطنيًّا قوميًّا عربيًّا، وله قصائد في مناسبات عدّة منها قصيدة أهداها لملك المغرب محمد الخامس حين زار لبنان العام 1960.
له ديوان شعر، صدر بطبعته الثانية العام ١٩٩٦، وهو قسمان: شعر وتاريخ، والتمثيليات المسرحية.
أنجب من زواجه "منيرة" التي تزوجت العام ١٩٥٣ من عدنان درويش من أبناء الميناء (١٩٢٧-١٩٩٧) ، الذي له الخدمة الطويلة في التربية والتعليم وقد سميت مدرسة النصر سابقًا باسمه: "مدرسة عدنان زكي درويش الرسمية للبنين". أما أولادهما فهم : زهيدة وحلمي ووسيم وسامر.
أخذ عبدالله الشامي من بحر الميناء آفاقه، ومن سهول طرابلس رائحة الليمون، يوم كانت، فنظم الشعر، وكتب المسرح، قبل أن تُنهي الستارة المشهد الأخير على خشبة مسرح حياته.

زاروب ميناوي

٦ تشرين الأول ٢٠١٨

هذا زاروب مثال لزراويب الميناء القديمة قبل الحرب اللبنانية العام ١٩٧٥، وقبل أن تكتسح بنايات الباطون المنطقة الغربية للميناء.
في مثل هذا الزاروب كانت تنتشر غرف السكن المتجاورة مع منافع عامة مشتركة. هنا بين الغرفة والأخرى ممرات تلفّها حدائق تتوسطها بئر يشرب منه الساكنون بفرح.
هذا الزاروب ، كغيره من أزقة الميناء، كان يعجّ بعائلات وافرة منها:بطش،الدبس،كحالة،تيتو، الحلبوتي ، العكاري، مرهج، القبطي،كوشاري، بيروتي، نادر، الشماس، الضيعة، نادر وغيرهم.
تميّزت هذه البيوت بالطراز العربي القديم. كما يبدو في آخر الصورة: قناطر وشرفات مخفية وشيء من العمران الفنّي من ذلك الزمان. لم يبق في هذا الحيّ المغلق على سكانه غير هذا البيت الذي بدأ يتهالك وقد خرج سكانه، كما أهل الحيّ، ولم يعودوا.
راحت بئر الماء ونضبت منابعه.راحت حديقة الحيّ وتهالك البيت الأخير. ماذا بقي في الذاكرة؟ راح أهل الحيّ .سرقهم العمر المتهالك.راحت ساحة المساء الحزين. من أطفأ قناديل السهر وصرفَ الساهرين

مطعم "نخلة"

٦ تشرين الأول ٢٠١٨

قهوة "نخلة التنين" لزياد الرحباني في مسرحيته"سهرية" عرفها أهل الميناء في النصف الأول من القرن العشرين مع "نخلة زيني". (1892-1957) النازح من مرسين حيث كان والده يدير مطعمًا بحريًّا.
حين وصل "نخلة زيني"إلى الميناء التي تشبه "مرسين بأزقتها وبيوتها البحرية افتتح مطعمًا عُرفَ باسم" مطعم نخلة" على الشاطىء الغربي من الميناء، حيث اشتهر بالسمكة الحرّة ،والكبة النية بالجرن.
صار "نخلة"مقصد الناس من كلّ لبنان، بساحته وطابقه الزجاجي الأول مع"سهريات" لا تنتهي، وكان يستضيف الفنانين ومنهم : الفنان نصري شمس الدين.(1927-1983) وصباح (1927-2014).
تزوج "نخلة" من "سيدة خضرا" التي ولدت في بونس أيرس سنة (1911 - 2000)، والدتها تمام روحانا من عائلة تمتدّ جذورها إلى الأرجنتين. أنجبا يوسف وعبدالله والياس وأيوب، رحمهم الله، وأطال المولى بعمر جوزفين وايلان وأسمى.
بعد وفاة " نخلة" أدارت المطعم زوجته "سيدة" مع أولادها، وكانت الوحيدة التي تعرف سرّ طبخ السمكة الحرّة التي ذاع طيب لقمتها في لبنان والجوار.
بعد الحرب اللبنانية باع أصحاب الأرض المطعم لبناء سكني، وانتقل"أيوب " أحد أبنائه إلى محل يقدّم فيه سرّ السمكة الحرّة الشهيرة.بعد موت "أيوب" العام 2017 استمرت عائلته إلى اليوم بتقديم أطيب صحن سمكة حرّة في مطعم" الصياد" أول شارع مار إلياس.
راح الزمان الذي كان الموج المجاور فيه يستمتع بزوّار مطعم "نخلة" التاريخي، ويتراقص طربًا بالعزف على العود والغناء والطرب. كانت "النافورة" في الساحة الداخليّة للمطعم تغزل الماء المجبول بالملح الآتي من ريح البحر ، لتكتب أسماء الذين مرّوا من هنا عارفين "إنّما الناس سطور كتبت لكن .. بماء".

نور الهدى في حارات الميناء

٥ تشرين الأول ٢٠١٨

ولدت الكسندرا نقولا بدران في مرسين بتركيا. (١٩٢٤-١٩٩٨) . اسم بدران ليس كنيتها الحقيقية، لأن والدها، كما تقول مصادر، من آل شماس من بلدة «اميون» ، هاجر طالبًا الرزق والعمل، فدامت إقامته في «مرسين» التركية عدّة سنوات.أما «بدران»، فهو اللقب الذي عرفت به الأسرة بدلا من «شماس» يوم قدم والدها إلى الميناء، في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتسجّل في سجلاتها، ونزل في حي الخراب في بيت عربي الهندسة، تحت قنطرة سينما هوليود .
كانت الكسندرا تذهب إلى مدرسة مار إلياس المجاورة كرفيقاتها، مشيّا على الأقدام، عبر شبكة زواريب متداخلة تحكي التاريخ وتجاور البحر بحكايات من كان هنا ورحل.
في ملعب مدرسة مار إلياس كانت الطفلة الكسندرة بدران تردّ على كلام موج البحر الإيقاعي بالألحان، وعلى هديره بالغناء، وكانت تنتظر ختام العام الدراسي لتصعد المنبر وتصدح بصوتها الشجيّ.
جاءتها فرصة ذهبية، بسبب تنقّل والدها للعمل بين سوريا ولبنان حين التقت في حلب بيوسف وهبي (١٨٩٨-١٩٨٢) سنة ١٩٤٢ فاستمع إليها وأعجب بصوتها، فطلب منها المجيء الي مصر وبالفعل حضرت، وأسند إليها بطولة فيلم "جوهرة" العام ١٩٤٣، وعملت مع عدد كبير من الفنانين مثل فريد الأطرش (١٩١٧-١٩٧٤) ومحمد عبد الوهاب (١٩٠٢-١٩٩١)) ومحمد فوزي (١٩١٨-١٩٦٦)، وأطلق عليها يوسف وهبي اسم " نور الهدى".
في الخمسينيات اعتزلت الفن وعادت إلى لبنان، فكرّمتها الحكومة اللبنانية العام ١٩٥٢ بمنحها وسام الاستحقاق اللبناني المذهب، وسلّمها الوسام رئيس الوزراء عبد الله اليافي (١٩٠١-١٩٨٦) الوسام ، وتبعت هذه الحفلة الرسمية، حفلات تكريم عديدة.
قولكم كم أغنيّة يغنيها المطرب وحنينه أبدًا لأول أغنيّة؟ فكم حنّت يا ترى " نور الهدى"، في اعتزالها، إلى بيت طفولتها الذي ما زال على عفويته بقناطره وحجارته وزواياه؟

مروان العبد : من أزقة طرابلس والميناء إلى الشاشة

٥ تشرين الأول ٢٠١٨

كل الحبّ كل الغرام"، مسلسل تلفزيوني للكاتب الطرابلسي مروان العبد (توفي٢٠١٥) بعد صراع طويل مع المرض في مستشفى نيني.
لا يمكن أن تعبر عن الكتابة عنه، وهو من أبرز كتّاب المسلسلات التلفزيونية ومن أبرزها: "النهر"، "الارملة والشيطان"، "ياسمينة"، "تلات ستات برات البيت" وغيرها...
مروان العبد الطرابلسي أوحت له مدينة الميناء، بأزقتها وتاريخها بألف فكرة وفكرة، فتراه يذكر في مسلسلاته مشاهد من ماضي الميناء الزاهر، فيذكر مثلًا في المسلسل الرومانسي والتاريخي "كلّ الحبّ كلّ الغرام" مستشفى الدكتور "بويز" أي مستشفى الأميركان وغيره من صفحات التاريخ المنير في الميناء.
ومن المفيد الإشارة إلى أن مسلسل" كل الحبّ كلّ الغرام" أبصر النور في غياب كاتبه مروان العبد بعدما خطفه الموت قبل كتابة حلقاته الثلاث الاخيرة، وقد قام الكاتب طوني شمعون بكتابة نهاية المسلسل واستكمال أحداثه.
مروان العبد الكاتب التلفزيوني الذي خرج من أزقة طرابلس المملوكيّة وطرقات الميناء الفينيقية والرومانية والتركية والعربية والاطلالات العمرانية الإيطالية، دخل إلى نصوصه التلفزيونيّة، وفي جعبته هذا التراث التاريخي الكبير الذي كان يجمعه من "البوابة" حيث كان بيته هناك قرب محطة بنزين"الشامي" مقابل دارة "الباف"، وكان يعبر الأزقة ليتلقى تعليمه في مدرسة مار إلياس متخرّجًا منها .
مع مخرج مسلسله الأخير الذي لم يكمله: "كلّ الحبّ كل الغرام" نردد ما قاله المخرج ايلي سمير معلوف في رسالة مؤثرة إلى روح الكاتب مروان العبد، جاء فيها:
"إلى الّذي كتب وَذَهَّبَ النص لكنه ذهَب قبل أن يرى ويشاهد. مروان العبد كتب وأنكتب بكلّ مشهدٍ رغم الرحيل، كلّ الحب لشخصك وكلّ الغرام بنصوصك

شكري أنيس الفاخوري

٥ تشرين الأول ٢٠١٨

شكري أنيس فاخوري : ابن الميناء
أسرع القسيس البروتستانتي شكري فاخوري (توفي ١٩٢٣) إلى شاطىء الميناء الشرقي العام ١٨٩٣، حين بلغه أنه قرب جزيرة النخل، اصطدمت السفينة البريطانية "فكتوريا" بالسفينة "كامبردون"، ما أدّى إلى غرق "فيكتوريا" وموت أكثر من ٣٥٨ بحارًا، دفنوا في مقبرة خاصة في منطقة المقابر في الميناء وسميت المقبرة" مقبرة الباخرة فكتوريا".
حين وصل القس شكري أنيس فاخوري إلى مركز البريد حجز التلغراف، لينقل الخبر إلى الجريدة البريطانية التي كان يراسلها في لندن.
خدم القسّ شكري أنيس فاخوري في كنيسة البروتستانت في مستشفى الأميركان، كما عمل فيها معالجًا فيزيائيا. تزوج وأنجب جورج وجوزيف وبهيج. جوزيف كان مخرجًا اذاعيّا وتلفزيونيّا، وله كفاح فاخوري مدير كونسرفاتور وأستاذ جامعي، وجناح ممثلة، وصلاح منتج سينمائي بمصر. أما بهيج فكان أستاذ لغة إنكليزية، وهو الوحيد، من بيت فاخوري، الذي بقي في الميناء ومات فيه.
أما جورج ( توفي ١٩٧٩) فقد أنجب شكري المؤلف والكاتب التلفزيوني الشهير العام 1953 ، وقد تنقّل بسبب عمله كثيرًا إلى أن استقرّ ببيروت. لشكري (جورج ولكن غلب عليه اسم أنيس) فاخوري عشرات الأعمال الفنّية ، وهو يزور الميناء دائما وقد تمّ تكريمه في المدينة عدّة مرات معتزًّا بانتمائه إلى مدينة الموج والأفق وهو الذي كتب"العاصفة تهبّ مرتين" و" نساء في العاصفة"، إذ مهما عصفت الرياح وجنّ الموج، يبقى حنينه لأول حبيب ، ولأول منزل ،وهو الميناء الآمن الذي منه يخرج المبدعون.

جورج شلهوب

٤ تشرين الأول ٢٠١٨

لم يغادر جزر الميناء وشمسها الحارقة، ولم تغادره، إلا ليقف تحت عدسات الكاميرا الملتهبة وعلى خشبة المسرح. كان يعرف أن جماليات أزقة الميناء هي مخارجه إلى العالمية.
ما زال جورج شلهوب، ابن الميناء المولود فيها العام ١٩٤٦ ،على حبّه لهذا الثغر البحري. كان بيته الوالدي على مرمى حجر من الشاطىء قبل أن ترتفع البنايات ويغادر الموج أمكنته متحسّرًا. كثيرًا ما تلتقي جورج يتمشّى في المنعطفات والمعارج العتيقة كأنها بلاتوهات في ذاكرة عمره، وهو كلّما وقف أمام شاطىء بحر الميناء ذكّره رذاذ الموج بدموع والده شلهوب شلهوب (١٩٢٢-٢٠٠٨) "يوم بكى ماضيًا لأنني ذهبت إلى أميركا" العام ١٩٨٢، بعد تخرّجه من معهد الفنون .
هناك درس في كاليفورنيا لفترة زمنية قصيرة: العمل و الإنتاج التلفزيوني، وألحقها بدورات تقنية في حقل التصوير و الإخراج، ثم انتقل إلى أهم معاهد هوليوود.
استطاع جورج في إحدى أمسيّات العام ١٩٧٣ أن يسمّر أهل الميناء أمام شاشة التلفزيون لمشاهدته في أول دور له في مسلسل" المشوار الطويل" مع شوشو ومحمود المليجي وحقّق شهرته، ودخل في عقول وقلوب أهل الميناء خاصة وأن المسلسل تدور أحداثه في مدينة بحرية.
تزوج جورج من الممثلة ألسي فرنينة العام 1974 ورزق منها بولدين الممثل يورغو شلهوب ونديم شلهوب.
ما زال جورج على محبته للميناء وعلى عشقه لبحر جزرها، حيث خاض مباريات السباحة والتجذيف بالحسكة مع صديقَي عمره اسبيرو وخليل.
وحدها أزقة الميناء وقلوب أبنائها تحفظ للكبار فيها، عطر طفولتهم وأحلام شبابهم

ميشلين خليفة

٣ تشرين الأول ٢٠١٨

ذات مساء، وبعد لقاء فنّي تكريمي للمطربة العملاقة الصوت ميشلين خليفة في "بيت الفن" تحت أقبية سكنها عبق التاريخ ، أصرّت أن تزور بيت طفولتها، في سوق الخراب ، فوق مقهى الدقور التاريخي.
حين صَعدَتْ درج المنزل دمعت عيناها، إذ تذكرت يوم نزح والدها جورج بيلوني صغيرا ( ١٩٣٠-٢٠٠٠ ؟) مع أقربائه كجورج جراد( ١٩٢٠-١٩٩٦؟ )من إنطاكية إلى الميناء العام ١٩٣٩ ، وكرّت المواقف: كيف تابع حياته ليتزوج لاحقًا من ايلين جحا، شقيقة الشاعر ميشال جحا من الكورة، التي توفيت العام ٢٠١٤.
تذكرَتْ ميشلين وهي "تطلع" الدرج أنّها مع اخواتها "طلعوا" لأمهم بالصوت الجميل، إذ قبل أن تدخل صالون البيت الأول ارتجفت ، كأنّها سمعت غناء أمّها التي عرفت ب"إلهام سليم" ووصف الراحل الكبير وديع الصافي (١٩٢١-٢٠١٣) صوتها بأنه من أجمل الأصوات النسائية في الشرق، إلا أنها اعتبرت الفن في حياتها هواية فقط، ففضلت العائلة على الاستمرار في عالم الأضواء والشهرة.
تأمَلَتْ ميشلين قناطر وشبابيك وشرفة دار العمر الجميلة وجدران بيت الطفولة، فهبَّ شوق إلى من سكن هنا ،مع إخوتها: مي ومهى وعفيفة وميشال.
حين دخلت ميشلين غرفة نوم طفولتها، تلمّست السرير الذي كان مرتع أحلامها وطموحها طفلة، حيث كان موج البحر يناديها عن قُرب، قبل أن ينتقل والدها مع العائلة إلى بيروت حيث تزوجت وأضافت اسم " خليفة" بالزواج، من أنطوان، إلى "بيلوني" بالولادة.
ابنة الميناء ميشلين، أطال الله عمرها، لها ألبومات عدّة من ألحان كبار أمثال ملحم بركات ومحمد الموجي وصلاح الشرنوبي وغيرهم ، ولا تنسى فضل الصحافة الفنّية التي دعمتها كثيرًا، خاصة الصحافي والأديب جورج إبراهيم الخوري (١٩٢٢-٢٠٠٦) الذي بسببه اتجهت لدراسة الموسيقى لدى فؤاد عواد (١٩٤٣-٢٠١٦) ، ولا تنسى أيضًا ذكر أزقة الميناء: "مدينتي الميناء، وأنا إبنة هذه المدينة، ودائماً ما كنت أكرَّم فيها ، ورائحة تراب الميناء موجودة".
والله، تراب الميناء وملحه يحرقان الحنجرة في معمودية للصوت الطالع من جراح الذاكرة وصدى السنين الحاكي

ادوار بندلي

٣ تشرين الأول ٢٠١٨

كان الطفل "ادوار بندلي" (١٩١٤-١٩٨٤) ،يلعب أمام مصطبة بيته، في عامه الثالث، حين وصل خبر وفاة والده "اندره" في سفر برلك خلال الحرب العالمية الأولى.
ربّته أمّه "تيودورة نمر" في ذاك البيت العتيق في أحد متفرعات شارع الراهبات في الميناء، حيث أنهى في مدارس الميناء وطرابلس علومه في الكيمياء، وانكب ّيعمل على تعلّم اللغات، ليتقن سبعًا منها مع آدابها.
ألّف كتاب "دنياي"، فيما اشتغل عميلا جمركيا على النقطة الحدودية "العبودية"، كما افتتح مكتبا للترجمة في حي السنترال في طرابلس. أحبّ الموسيقى وكان ملحنًّا موسيقيا واستكمل موهبته بزواجه من نعيمة راجي بيطار التي كانت عازفة عود وعازفة بيانو بارعة ، والدتها روزا شقيقة الموسيقي المبدع صليبا القطريب . أنجبا ١٢ ولدًا هم :ميشلين - رينيه( وبرزت ابنته ريمي في أغنية أعطونا الطفولة) - دورا - يولا (توفيت) - فاديا (جدّة لين الحايك لأمها فجمعت بين موهبتي آل بندلي وآل القطريب) - ناديا - روجيه - نورما - رنده - سونيا - هانيا - فادي وقد أبدعوا غناء وعزفًا موسيقيّا حين ظهروا لأول مرّة في برنامج الهواة في التلفزيون العام ١٩٧٣ لينالوا شهرة فوق شهرة.
حين توفي "ادوار" ودفن في مسقط رأسه الميناء في مدافن الروم الارثوذكس- مار يعقوب عزف البحر موسيقاه التي منها أخذ "ادوار" موهبته الفنّية، ليخرج بها من أزقة الميناء إلى قلوب أبنائه ليودعهم أسراره إيقاعاته ، وإلى أوتار الجهات الأربع.

صليبا القطريب

١ تشرين الأول ٢٠١٨

في الزقاق القديم ، حي السراتي، خلف مبنى بلدية الميناء القديم ولد الفنان صليبا القطريب (١٩٠٤-١٩٩٤) ، وفي هذا الزقاق، دوزن عوده الرّنان على يد والده العازف ميخائيل القطريب.
قام بجولات فنّية إلى مصر العام ١٩٢٧، وإلى سوريا والعراق واوروبا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.
في العام ١٩٣١ التقى بأمير الشّعراء أحمد شوقي، فأقنعه بالسفر معه لينضمّ إلى الفرقة الموسيقية لمحمد عبد الوهاب ففعل. عزف مع عبد الوهاب وسافر معه إلى باريس مشاركًا في فيلم"دموع الحبّ"سنة ١٩٣٤ عازفًا في أغنية "سهرت منه الليالي" .
اشتهر صليبا القطريب بأداء أدوار زكريا أحمد وسيد درويش ، ولكنه بقي يدور في أزقة الميناء العتيقة، إذ سحرته فسكنها وسكنته ،واستقرّ فيه مع زوجته فدوى وأولاده: فيرجيني(توفيت)، جورج(توفّي)، ميشال،فؤاد، الكسندرة(توفيت)، سيدة، كوثر( توفيت) ، المطربة سلوى القطريب ( توفيت)، ابتسام.
صليبا القطريب يعود اليوم بصوت حفيدة ابنه فؤاد ( من ابنته كريستيان)"لين نقولا الحايك". "لين" حفيدة ابنه فؤاد تطوف العالم اليوم حاملة في قلبها أزقة الميناء والشاطىء الصخري والماء المالح.
صليبا القطريب الذي عُرِفَ بموسيقار الملوك هو أول من استخدم تقنية الريشة المقلوبة، أي النقر على الوتر صعودًا و نزولًا. لعلّ عشقه لحركة الموجة هناك صوب"الحمام المقلوب"، رسم في خياله هذه التقنية ليبقى الميناء طيّبًا في باله وخاطره.
(في الصورة صليبا القطريب عازفًا على العود)

مدرسة اللعازارية

١ تشرين الأول ٢٠١٨

هنا على اليمين قامت مدرسة راهبات المحبة اللعازارية العام ١٨٦٣، بعد مدرسة الأرض المقدسة العام ١٨٥٦، ومدرسة الأنطونية العام ١٨٥٠، كما كانت المدرسة المسكوبية الروسيّة العام ١٨٥٠ أيضًا، وتبعتهم المدرسة التهذبية العثمانيّة العام ١٨٩٦ .
امتازت مدرسة اللعازارية بملعبها الكبير وأشجارها الضخمة الوارفة. كانت صفوف" البيبي روز" في عزّها يومها ، في أوّل الستينيات. في هذه المدرسة نشأ كثيرون، كما خاف كثيرون، إذ سرت شائعة أنّ "جنّية" تسكن في الغرفة على السطح. لربما مشت هذه الشائعة لأن الباب الخارجي لتلك العلّية كان بارزًا للمارة كأنّه باب من أبواب المجهول.
أتت "جنّيات"الحرب اللبنانية فهربت" جنّية" أحلامنا، وانتقلت المدرسة إلى منطقة "ضهر العين"، وسقط الملعب الكبير، وسافرت الأشجار الباسقة إلى خريف الزمن ، وقامت ....البنايات.
ما زالت"جنّية" اللعازارية تجول في أوردة رياح الذكريات، وما زالت تدور في رحاب المدرسة وأبجدية أَمْسِنَا كي نكتب ذاك الزمن الجميل الذي مضى و.... لن يعود

فرنسيس الصيفي

٣٠ أيلول ٢٠١٨

هنا كان الطريق ضيًقًا، ولكنه في خيالنا أوسع من المدى. يسارًا كانت تقوم كنيسة سيّدة البشارة للروم الكاثوليك القديمة مع ملعب رياضي التي هدمت لفتح الطريق العام ١٩٨٢ ،ويمينًا كان "فرنسيس الصيفي".
كان فرنسيس يجلس أمام باب بيته ينتظر شيطنتنا. نطلع إلى عربة الأرجوحة ويدفعها بكلّ قوته لنطال السماء إن عَلَتْ، ونلتحفُ غبار التراب إن نزلتْ.
كان بمنكبيه وجسمه القوي رافعة لعربةٍ يتشيطن فيها الاولاد فرحًا بعيد، أو بمناسبة، أو احتفالًا بالعلو والطيران كما أحلامهم.
فرانسيس أخذ اسمه من الرهبنة الفرنسيسكانية التي أسست مدرسة الأرض المقدّسة العام ١٨٥٦ لتؤرجح الطلاب في عربة العلم والمعرفة، وفرانسيس حارس الدار كانت أرجوحته ملاذ الكثيرين الذين كانوا يؤخذون بغلاظة الحبال المشدودة أرضًا فيما يطيرون إلى حبال الفضاء التي لا تنتهي.
منذ توقف فرانسيس عن دفع أرجوحة الطفولة، تقطّعت أوردتها وتناسلت في ذاكراتنا عمرًا من الخيالات التي تروح يمنة ويسرة بفرح، فيما الدنيا تؤرجحنا على شاطئ الميناء كشهابٍ يمرُّ ملتهبًا ، ويبرّد نار حنينه بماء البحر ودمع السماء

جبران خليل جبران والميناء

٢٩ أيلول ٢٠١٨

في العام ١٨٩٥، نزل الصبي جبران خليل جبران مع والدته وإخوته على عربة تجرّها خيل من بشري قادومية، عبر وادي قنوبين، فنهر أبو علي ،عبورًا لسهول طرابلس، وصولاً إلى هذا الرصيف ما بين القصرين في الميناء : قصر علم الدين وقصر آل يحيى وحاليا بيت الميقاتي.
على هذا الرصيف وقف جبران ابن ال١٢ سنة يتأمل لأول مرّة في حياته البحر الهادر قبل أن يستقلّ زورقًا صغيرًا لينقلهم إلى سفينة راسية بعيدًا للسفر إلى أميركا.
كم حاول جبران الصغير الجالس في حضن أمّه، ورذاذ الماء المالح يقبّل خدّيه وجبينه، أن يمدّ راحتي يديه ليلمس الماء المتحرّك ، وهو الآتي من سهول ثابتة وجبال راسية لا تتحرّك. حين نجح جبران في لمس وجه المياه الهادرة هدرت في مخيلته الألوان المائية على لوحاته، ولم يستطع عند كتابته كتاب" النبي"، إلّا أن يتذكّر هذه المشهديّة المالحة في طفولته، فأوقف الناس على الشاطىء ليستمعوا إلى آرائه، فيما هو واقف على متن زورقٍ، متذكرًا رصيف الميناء الذي تنتظر عليه وجوه المسافرين.
لقد رسم شاطىء الميناء خارطة الإبداع في مخيلة الطفل الطالع إلى المجهول. وحده المجهول يصنع الأحلام كما يضع أبناء الميناء موج البحر في قارورة خيالهم وسادة لليل يطول، فيأتي الفجر كما الأحلام في هدأة بال وشوق ذكريات.

( تعود الصورة للعام ١٩١٠)

"نزل البحر"

٢٨ أيلول ٢٠١٨

هو مبنى لوقف سيدة البلمند من قبل ما كان البحر يقف هنا، في أوّل القرن العشرين، ليغسل قاعدات أعمدته المرتفعة، وكان القمر يسهر على هذه السطيحة وكم غفا تاركًا الليل بلا ضو.
في هذا المبنى كان فؤاد نادر ببذلته الأنيقة وحذائه الأبيض وعصاه يقف في محله" مال القبّان"حيث الصابون والزيت والحبوب.
وفي الطابق الأول كان" نزل البحر" الفندق الذي مازال يعمل إلى اليوم. هذا النزل كان أوّلا مركزا للبريد والبرق، في أواخر الخمسينيات، يوم كانت الرسائل تمهر بحمرة شفتّي الحبيبة وتغتسل بدمع الغربة المرّ.
في أوائل الستينيات سرق العاشقون رسائل السلام والكلام وصار مركز البريد "نزل البحر" بنزل فيه بحارة سفن اليونان والسودان وأهل مصر في استراحة لأيام قبيل معاودة الرحيل.
ما زال مصطفى خاروطة مؤسس النزل في الستينيات يدير هذا النزل، لكنه يستفقد عجقة المعلّم أنطون حصني الذي كانت مأكولاته تزيّن طاولات شرفة" نزل البحر" وحكايات المسافرين كالبحار المصري " نعمان" الذي أمضى أواخر أيامه في"نزل البحر" يمارس فنّ الرسم وحفر الخشب.
راح فؤاد نادر وضيّع القبّان أوزانه وتوارنه. راح انطون الحصني ولم تعد طيور النورس تجالس العيون المسافرة في أرقها إلى شواطىء بلادها. وحده مصطفى خاروطة، أطال الله بعمره، ما زال يسرد قصص البحارة الذين مرّوا هنا قبل أن يأخذهم بحر النسيان إلى جزر الذكريات

أبو يعقوب، ايليا عطالله

٢٦ أيلول ٢٠١٨

ولد أبو يعقوب، ايليا عطالله (١٩٢٠-١٩٧٧) في الميناء وترعرع في أزقتها المتوغلة في التاريخ . لم يغادرها إلّا على أكفّ محبيه . لا تعرف عائلته غير الميناء موئلا لها منذ عشرات السنين ولربّما أخذت العائلة اسمها من الاسم الأول لأحد الجدود الذي حمل اسم"عطالله" وإليه انتسبوا .
تزوج أبو يعقوب من بهية بارودي (١٩٢٧-٢٠٠٥)، وانجب عائلة مكوّنة من ثمانية أولاد. مارس مهنة الحلاقة في صالون قرب بيته الأثري الذي يقدّم تراثًا معماريًّا بين الفن البيزنطي والعمارة العثمانيّة بقناطره ومنمنمات نوافذه وشرفاته الخشبيّة فوق سينما هوليوود.
تميّز صالون حلاقته بنظافته وترتيبه حيث تفوح رائحة الحبق والورد العابقة على أنغام عزفه على الآت عدّة منها العود والطبلة والناي .هي آلات نزلت بأمان على جدران صالونه أو في الزوايا. كان مشهورًا بعشقه لآلة البزق بصورة خاصة، فإذا طُرِبَ لصوت المقصّ أو الشفرة على رأس زبون أو خدّيه، استأذن منه، وأنزل البزق وأدّى وصلة طربيّة، فيما الزبون ينتطر خاتمة المعزوفة ليختم أبو يعقوب وصلة الحلاقة لينصرف الزبون بفرح إلى عمله.
ترأس أبو يعقوب في الاربعينيات فرقة الكرنفال، وكان بيته يستقبل، طيلة الفترة التي تسبق الصوم الأربعيني المقدّس ، المشاركين لتحضير اللباس للمناسبة ولإطلاق سهرات تمتدّ حتى ساعات الصباح الأولى.
أبو يعقوب كان معروفًا بصيد السمك بالقصبة وكان يقتسم ما يصطاده مع الأصحاب والأقارب، كما كان يقصده الكثيرون للمداواة بالطب العربي.
تعب أبو يعقوب من شدّ أوتار بزقه. في النوتة الأخيرة عزف لحنًا، سَحَرَهُ، فامتشقه نورًا على نور. إن مررت اليوم في سوق الخراب ارمِ السلام على البزق المكسور هناك. لعلّك تسمع نفرة وتر الحياة التي كانت من "عطا الله" و"بهيّة" الحيّ العتيق

المقالع البحريّة

٢٦ أيلول ٢٠١٨

هذا الشاطىء الصخريّ للميناء لا نعرفه إلّا هكذا: مسننًا، خطرًا، مزعجًا ولكن جميلًا.
هنا على هذه النتؤات الصخريّة كم تنقّلنا حفاة بصعوبة، وكم تمزّقت أرجلنا جرّاء السقوط على مسننّاته ، ومن هنا جاء لقب جزيرة" السنني" .لكن السؤال : كيف صارت هذه الصخور مسنّنة هكذا؟
قبل القرن السادس عشر كانت هذه الصخور أعلى بكثير، وكانت في بعض الأماكن تحجب البحر لعلوّها. مع بدء حركة البناء والعمران في الميناء ، في ذلك القرن، تحوّل الشاطىء إلى مقلع للصخور. هنا كان العمال ينشرون الصخر بمناشير خاصة، ما أدّى، بعد النشر، إلى بروز هذه الرؤوس المسنّنة نتيجة عملية النشر المذكورة، وقد تمّ قصّ الصخر إلى حجارة خاصّة بالبناء، كما يظهر في الصورة التي التقطها حبيب هواوويني العام١٨٩٩م لأرض كنيسة مار إلياس الملاصقة لفقش الموج.
راحت جدران الشاطىء البحرية، وراحت جدران البيوت القديمة( الحجر البحري) ،وراح ما كان يردّ العواصف والرياح عن قلب الميناء القديم وما زالت النسائم تسأل ، كلّ يوم، عمن سكن في تلك الجدران

عمر الزيني١٨٨٣-١٩٥٤

٢٤ أيلول ٢٠١٨

ما بين جزيرة" أرواد" وشاطئ الميناء ألف حكاية وحكاية. فالشاطئان مرسى للصيادين ، رزقًا وصيانة مراكب. هنا وفدت عائلات "من تلك الحزيرة وحمل بعضهم لقبها كآل "أروادي"من مختلف الشرائح، وقد أضافت إلى ملح "أرواد" نسائم الميناء المالحة.
من تلك الجزيرة وفد إلى الميناء عمر زيني(١٨٨٣-١٩٥٤)، معلّم حديد عربي. ولد في أرواد وجاء إلى الميناء العام ١٩٢٨ ليعمل في ورشة عبد الوهاب على الجزيرة حيث كان يصنع المسامير للشالونات وأطواق الحديد لألواح الخشب قبل أن يستقلّ في عمله مفتتحًا محلّا على البحر بالقرب من قهوة"كزبور"التي تحوّلت إلى مسمكة، ثم قام مالكو العقار "آل الداكيز" ببناء عمارة حديثة مكانه حيث غاليري"الجم" حاليا.
عندها نقل "عمر" الورشة، بعد أن نقل الصنعة أيضا إلى ولديه فاضل (١٩٣٢-٢٠١٢)و رياض (١٩٢٧-٢٠٠٣) في حيّ"الرملة" قرب المقابر وما زالت الورشة حتى تاريخه مع حفيده أحمد.
في صبيحة ذلك اليوم من العام ١٩٥٤ وعلى سريره، مريضًا، في مستشفى الدكتور "بويز" ( الأميركان) في الميناء أغمض "عمر" عينيه وسرح على الشاطئ يطعم نورس الغمام خبز الحنين إلى رمال وأمواج في بحرٍ، ملحه "بيفل حديد وجع الذكريات".

النافذة الهندية

٢٣ أيلول ٢٠١٨

هنا كانت الأغاني تكرج على لسان الفتى "سلّوم" صاحب الغرّة المنسدلة على جبينه كشبيهه الكبير الممثل الهندي"شامي كابور". من هذه النافذة ، من بيت اندراوس سلّوم، كانت تنبعث الألحان والإيقاعات الهندية حتى لتحسب أنّ الحارة تتهادى بخطوات استعراضيّة وترقص، كما العابرون، رقصات جماعيّة على أنغام الموجة الهندية السينمائية الرائجة.
رحل"شامي كابور" من هذا الحي إلى اميركا وانقطعت أخباره، كما تركت عائلة" أبو أنطون الجبيلي" البيت العتيق على اليسار، وغادر بعضهم إلى مناطق أخرى فيما بقي بعضهم في هذه الأحياء مستذكرين" أم عبود" و"فتحي" و"وجدي" ووجوه الحارات التي تكاد حجارتها تتهالك من وجع الذكريات والترحّم على ما مضى.
من الواضح أنّه متى رحل الناس عن أبواب منازلها تخلّعت الحجارة ومادت النوافذ كلّما "ركبوا عربيات الوقف وهربوا بالنسيان"....

رحل ميشال قطرميز، أبو جورج

٢٢ أيلول ٢٠١٨

ميشال قطرميز: رحيل أبو جورج
ألقت "هيلانة" العام ١٩٢٥ نظرتها الأخيرة على شاطىء مدينة"مرسين" في أعمال إنطاكية قبل أن تحملها السفينة مع زوجها "جورج قطرميز" إلى ميناء طرابلس مع أولادهما ميشال (١٩٢٢-٢٠١٨) وفؤاد (١٩٢٩-٢٠٠٣) وماري.
هنا نزلوا ، في هذا الميناء الذي احتضن الوافدين من كلّ مكان، وكان لهم الأمن والأمان . اشتغل الوالد بمهنة الخياطة ليرثه لاحقًا "ميشال" بعد أن كبرت العائلة بولادة: "عبدالله وجولييت وناديا".
هنا في هذا الدكان الصغير أكمل "ميشال" سني حياته بهدوء وأمان. لم تكن مساحة المحل تتعدّى المترين، بالطول والعرض، ولكنها كانت مساحة كافية لألف صديق وصديق كقلب " أبو جورج" الذي لم يغيّر مسلكه اليومي : من محله قرب سينما راديو عبورًا بساحة ترب المسيحية وشارع البلدية فشارع بور سعيد وصولاً إلى بيته في منطقة الزراعة.
اشتهر "أبو جورج" بلطفه ودماثة أخلاقه ولسانه الدافىء محافظًا على نبرة صوت لا تعلو ولا تنخفض إلّا في تراتيل الجوقة في كاتدرائية مار جرجس ، ولولا طبقات الترتيل البيزنطي لحافظ على وتيرة سكينته وهدوئه.
أذكر جيدًا حين كنا أطفالًا نزوره في محلّه مع صديق الطفولة ابنه"جورج" فنجد عنده رفيقيه اليوميين الدائمين عصرًا: جميل الكيك (١٩٢٣-٢٠٠٩) وايليا بنضو (١٩٢٦-٢٠١٠)، يوم كان المكان يعجّ بالناس الذين نفتقد وجوههم وعجقتهم في حيٍّ هجرته الأيام وصار ذاكرة.
رحل اليوم السبت "أبو جورج" وأخذ معه أحلام طفولته المجروحة والمبحرة من "مرسين" إلى "الميناء". وحدها "الأحياء" تحفظ في بالها وجوه" الأحياء". "أبو جورج قطرميز" الطيّب كان ينادي الجميع " حبيب القلب"، لأن قلبه لم تعش فيه إلّا المحبة.
"أبو جورج ": صار محلّك الصغير اليومَ وِسْعِ السما ووِسْعِ الدني.

مكنسة "بلَان"

٢٢ أيلول ٢٠١٨

كانت"مكنسة" البلّان تؤدب أحياء الميناء البحريّة وتمشّط جدائل الأزقة الموغلة في القدم.كنت ترى هذه المنعرجات والمنعطفات متلالئة كلَما مرّ العامل البلدي فيها يجرّ عربته بالبرميلين جامعًا ما يمكن أن يتراكم في الزوايا لتبقى الممرات التاريخيّة شاهدة على من مرّ من هنا تاركًا آثارًا عمرانيّة متنوّعة.
يومها لم تمنع حرارة الشّمس العامل البلدي عن السّعي الدّائم لنظافةٍ تَعَاونَ فيها مع المواطنين لرفاهية عيش وجلوسٍ آمن نظيف أمام مصطبات البيوت المتلاصقة وأبواب المنازل الخشبيّة العتيقة.
راحت مكنسة " البلّان" وراح البرميلان. ما عدنا نسمع قرقعة الدواليب وما عادت "الأحياء" تعني "الأحياء" فيها. يا شوك "بلّان"مكنسةٍ كان وردَ نظافةْ وهمّةَ عاملٍ وعرقَ جبينْ أَعِد لنا شيئًا من ذاك الحنينْ.

بحر الميناء

٢١ أيلول ٢٠١٨

كان بحر الميناء يلهو كطفل تحت نوافذ البيوت العتيقة العام ١٨٥٩ م. يلاطف الأحلام. كان السهر ليلاً عند شاطئه مع القمر المالح من تجليّات الزمن الجميل. هنا كانت حكايات تجار الحمضيات والخشب، يحملها البحر بالمراكب من السفن الرّاسية بعيدًا إلى الشاطىء، ويصدّر ما كان يحمله من اليابسة إلى مصر ومرافىء الجوار.
كانت مياه بحر الميناء تغسل جدران البيوت في الواجهة الشرقيّة من المدينة الغارقة في روتين عيشها ونمط حياتها الرتيب، فيما كانت غرف الخان، الذي تنوّعت أسماؤه بحسب تطوّره، من خان" أبو عبود"وخان "الأسكلة الكبير"، من كلمة أسكلا باليونانية وتعني الميناء، وخان" التجار" ليعرف بعد ذلك بخان الوزير محمد الدفتردار "التماثيلي"، وكانت غرفه التي تطلّ على الشارع تجمع وكالات أجنبية هولندية ويونانية وغيرها، حيث كان القناصل يجلسون فيها فيستقبلون بواخرهم الى جانب التجار القادمين، وكانت كلّ باخرة ترفع علم دولتها. هذا الشاطىء كان منطقة حيوية ومركزًا تجاريًّا.
راح الشاطىء وتكاد تتهاوى الواجهة الأثرية التاريخيّة الشرقيّة، بقناطرها وسقوفها وجدرانها. لم تبق إلّا ذاكرة تبني قصورًا من رمل على هذا الشاطىء ليأتي مدّ الموج ...ويمحو الأسماء..

كنعان والكاز

٢١ أيلول ٢٠١٨

كنعان" في الحارة. نركض إليه بقناني فارغة ليسكب لنا " الكاز" من عربته التي جرّها يومًا بغل ثمّ حصان قبل أن تكرج السيارات بعدد أكبر من الأحصنة.
كان "منبّه" عربته يستدعينا، فنركض أوّلًا خلفه مراقبين حركة رأس حصانه الذي كان يلتفت يمنة ويسرة كأنّه يعدّ رؤوس طالبي" الطاقة" لبابور "الكاز" قبل أن يتوقف ليخرج "الكاز" من حنفيّة العربة الحديدية فيما كان الحصان يتأمل وجوه الساعين إلى "الطاقة" قبل أن تنفجر "طاقة" شيطنتهم في الاقتراب منه وتأمل حركة ذيله وسماع صوت صهيله.
"كنعان" كان يعرف أين يقف؟ وأين يتابع سيره؟ يملأ جوف عربته "كازًا" من شركة نفط العراق يما اعتاد أن يعرفه عن عدد القناني التي ستخرج إليه يوميًّا بأفواهها الجائعةمن البيوت البحرية لإسكات جوع بطن" البابور" وإطفاء ظمأ احتراق رأسه لهبًا واشتعالا.
راح "البابور"، وما زال لهب الذكريات في حارات الميناء القديمة يشعل الشوق ويروح إلى حيث احتراق الشوق في وجع الروح.

انترانيك مانوكيان

١٩ أيلول ٢٠١٨

راحت الكهرباء في زمن الحرب في طرابلس العام ١٩٧٦، وأضاء السكان القناديل في وجع الليالي، وصارت الحاجة أم الاختراع، خاصة عندما تحتاج إلى صور شمسية من أجل معاملة رسميّة.
وظهر" أنطون" أو "انترانيك مانوكيان" ، في الميناء،في ذلك البيت العتيق قرب مطبعة الميناء في النقطة الفاصلة بين انتهاء شارع بور سعيد وبدء شارع مار إلياس.
على هذا الحائط كنا نقف ويختفي "انترانيك" تحت شرشف أسود ممسكًا بصندوقة خشبية فيها آلة تصوير، يلتقط الصورة ليتمّ تظهيرها بواسطة الماء في غياب الكهرباء. أخذ "انترانيك" المهنة عن أبيه الذي كان مصوّرًا في ساحة التل بطرابلس، ليشتغل لاحقًا في استديو روما عند المصوّر "مايك" لينتقل إلى الميناء مع المصوّر"أرتين أرتو" ويهتم مع "جاك ارتو" الأبن بالتصوير المائي على حائط بيت " البرط" أيضًا.
تزوج "انترانيك" الصورة ،وغاب في لونيها الأبيض والأسود، ورحل عن ٥٤ عامًا في العام ١٩٩٤، بعد أن انصرف إلى خدمة الكنيسة الأرمنية بطرابلس. وما زلت كلّما مررت أمام باب ذاك البيت العتيق حيث كان يقف، اسمع صوته يطلب من صاحب الصورة أن لا يتحرّك في زمن تحرّك فيه الماء حتى محا كلَّ الوجوه.

( الصورة رمزيّة من الانترنت)

مار إلياس

١٨ أيلول ٢٠١٨

هذا شارع مار إلياس الذي يكمل شارع بور سعيد الممتدّ بخط مستقيم من طرابلس . هذا الشارع قسم الميناء إلى قسمين العام ١٩٥٤. إلى اليمين الأحياء القديمة المتشابكة بأبنيتها العربية والتركية الفرنسية والايطالية الناطقة تاريخًا، وإلى اليسار الميناء الجديدة بأبنيتها الباطونية الجامدة الخرساء.
تعكس الصورة هدوء المدينة البحرية: قليل من السيارات ،قليل من الأبنية العالية وكثير من البساتين. لم يكن هناك من مستديرات وسطية، لكن لما دارت الأيام كثرت السيارات واستدارت الوسطيات لتخفيف السير .
هنا كانت القامات تتهادى مساء بهناء. خرقت أبواق السيارات صمت الذكريات .
مرّ العابرون في ذاك الزمان الهادىء وارتحلوا. وحده الضجيج ألغى جمالات الأمكنة وراح الطريق مع الراحلين، والمنعطفات المزهرة صارت ملوّنة في البال والخاطر

ساحة الترب

١٧ أيلول ٢٠١٨

هذه ساحة كانت تعجّ بالناس قبل أن تعجّ بالسيارات.
هنا كان "لطف الله" و"أغايان"و"دبج" و"زهير" وعربته و"توفيق" قبله.
هنا كانت" البليلة"وعربة "العبيدية" وبسطة "أبو فهد" و"بنايوت"و"كحالة" الحلّاق و"لوسي" واختها والخياط "العبد" وغيرهم.
هنا كان الميلاد والفصح وعيدا الفطر والأضحى.
هنا كانت ساحة الأفلام الهندية والعربية والأجنبية في سينما" رابحة" و"سلوى" وعبرها إلى سينما"راديو"و"كليوباترا".
هنا كانت الميناء كاملة الأوصاف مع "الذرة المشوية" و"أبو شار" و"الكازوز"و"لولو" و"طالب" و"حمدو"....
هنا كانت في الأعياد لعبة النرد( حجر الزهر) بعد وضع المصريات على الأرقام، ولعبة الكشتبان وإخفاء الكلّة تحتها.
هنا كان سبيل الماء نشرب منه ونغسل وجوه "شيطنتنا".جفَّ الماء واشتدّت حرارة الزفت. لو يهدر الماء في الأزقة العتيقة والساحات كما تهدر الكلمات لترسم الذكريات

رسالة اعتذار

١٤ أيلول ٢٠١٨

مررت صباح يوم من شتاء العام ١٩٦٥ في هذا الزقاق كالعادة لاصطحب رفيقًا لي، في سن الثامنة، إلى المدرسة، فقالت لي والدته إنّه مريض وإنّها ستعرضه على طبيب. عدت ظهرًا من المدرسة ومررت لافتقده فوجدتُ البيت مقفلًا وأهل البيت غادروا البلاد إلى جهة مجهولة.
منذ يومين وبعد ٥٣ سنة وصلتني منه رسالة بالبريد الالكتروني بعد بحث مُضنٍ منه لسنين طوال ليصل إلى عنوان لي عبر التفتيش في التكنولوجيا ، كما كنت أبحث عنه ولم أوفّق. هاتفته فلاحظت أنّ لغته العربية تكسّرت، وانقطعت روابطه من طفولته مع الوطن، ولكن لم تتكسّر مشاعره إلى تلك الأزقة فيما لم يتقن إلّا لغة تلك البلاد البعيدة بآخر الدني. أوّل كلامه ، بعد ٥٣ سنة، "رسالة اعتذار"عن حجّة والدته عن سبب غيابه عن المدرسة يومها.
أخبرته أني كتبت عن اختفائه في مقالة العام ٢٠٠١، في كتابي" يوميّات مدينة"، ضحك وحلف أنّه لن يعيدها. وها أنا أعيد خاتمة المقال المؤلم؛
".....تصوّر رفاقه أنّه لم يعبر الزّقاق كأمّه أو أخته، بل حاول أن يكتب شيئًا على الحيطان العتيقة، وأن يودع الحجارة "رسالة اعتذار"، وتصوّروا أنّه لم يصعد إلى السيارة قبل أن يلتفت يمنة ويسرة ليسأل عن الوجوه التي كان يشكّل جزءا منها. لم يرَ أحدا، صعد إلى السيارة، ألقى نظرات أخيرة الى مدخل زقاقه، تطلّع من الزّجاج الخلفي للسيارة فيما كانت تعبر شارع البلدية فرأى فريقًا من الصّبية يلعبون ألعابًا أحبها، يختبئون، يملأون الأرض صخبًا وصراخًا، ناداهم، لم يسمعوا، قال لهم: أنا هنا، لم يسمعوا فزجاج نوافذ السيارة مغلق. قبل أن تنعطف السيارة وتمضي، أحسّ الاطفال بقطرتين على وجوههم، تلمّسوها لم يحسّوا فيها رطوبة مطر بل حرقة مهاجر".
أما اليوم فبعد ٥٣ سنة وقد تغيّرت ملامحنا، وتغرَّبَت وجوهنا، وصرنا غرباء في أشكالنا أطلّ صاحبي من آخر الدنيا من خلف القارات. أزاح حجر الذكريات. قرأت "رسالة الاعتذار" فإذا بها ورقة بيضاء كالأيام الخوالي: عفوية طفولة، براءة أحلام ما زالت في بؤبؤ العين

مكواة الفحم

٨ أيلول ٢٠١٨

كلّما رأى جيل الحرب (١٩٧٥-١٩٧٧) هذه المكواة على الفحم تلمّسَ أطرافَ أنامله التي "انكوت" بحرارتها، ولكنها لم تكن تُقاس بحرارة الحرب التي قضت على الحجر والبشر.
في تلك الأيام كان عزٌّ لتلك المكواة، إذ كانت تنزل مكرّمة في بيوت الناس، تدور على الجيران استعارة لِكَيِّ الثياب وترتيب الهندام يوم كان الفحم سيد "الكانون" النحاسي الذي يتحلّق حوله الساهرون طلبًا لدفء واستزادة من اللعب بالجمرات الملتهبة عبر ملقط حديدي.
لم تقصّر هذه المكواة في خدمة الناس يومها، حيث لا كهرباء ولا موتورات، كما عادوا إلى "فرك" الثياب واستعمال المساحيق في طست، كما عجنوا الطّحين لنحمله إلى فرن"أبو خضر" أو" سمنة" لخبزه على نار بواسطة الحطب.
اليوم فتحت هذه المكواة فاها، ورموا التراب في جوفها ووضعوا الأزهار وسدّوا فاها كي لا تنطق بأخبار تلك الأيام وحكاياتها

جورة الدبس

٧ أيلول ٢٠١٨

هنا كان مطعم "الدبس" أو "جورة الدبس". هنا كانت احتفالات الميناويين. ازدهر مع نقولا حنا الدبس (١٨٩٣-١٩٧٥)، وبجواره مقهى "اسكندر الدبس" (١٩١٢-١٩٩٢) وقد عرفا ازدهارًا ما بعده ازدهار.
هنا في هذا المطعم/ الجورة والمقهى المجاور كان أهل الميناء يلتقون، كان المكان يجمع ما بين فكرة المقهى وفكرة المطعم على أنغام مياه البحر التي كانت تصطدم بالصخر قبل رحيله.
مطعم "جورة الدبس" القديم الذي حين كنت تنزل إليه بالدرج تطلع إليك حياةالميناء التي كانت عاجقة على "المشتي" حيث "مكبس" الشتاء الكثيف في مواجهة برج عز الدين أو برج المغاربة.وقيل فيه:" ما بيضيّع، هوي بالنزلة ولقمتو طيبة".
لم يبق أحد من الميناء لم ينزل ليذوق اللقمة الميناوية البحرية الطيّبة. منذ راح "نقولا"و" واسكندر" طلع الميناويون إلى العالم وبقي حنينهم لنزلة المشتي، ومطر المشتي، وليالي الأنس فيه

سنونوة القرميد

٦ أيلول ٢٠١٨

راحت سنونوة القرميد واقتحمت السيارات الأزقّة القديمة لما توسّعت وصارت طرقات. لو بقيت ضيّقة كي تتسّع أحلامنا!؟. هنا كرّت عربات الخيل من زمان، ورحلت العربات والخيول والفرسان.
وحده وجه يعقوب لبّان(١٨٨٧-١٩٦٨) باقٍ باتجاه البحر كأنّه المهاجر على صفحة الموج. بقي هذا القرميد شاهدًا على ما مضى كما الشرفات العتيقة المرفوعة على عمد الخشب.
مرّت السنوات ومرّت الطفولة الكارجة على درج هذا البيت الرخامي، وغابت دالية " الليلك" في غمرة العمر الهارب من بين أصابع الذكريات .... كالماء.
سينما"سلوى" المجاورة تحوّلت من الفنّ السابع إلى فنّ النحت على الخشب. راحت"سلوى" مع "رابحة" و"كليوباتره" و"فكتوريا" وسقطت الشاشات الفضيّة والكلمات. لقد سافر الأبطال إلى عالم الخيال والذكريات

الصباح"رباح"

٤ أيلول ٢٠١٨

للرحابنة " راجح" في مسرحيّة "بيّاع الخواتم" في قريتهم الخياليّة، ولطفولتنا"رباح" صاحب دكان الطيّبات في تلك البلدة الشماليّة البحريّة حيث بيت الأجداد، رحمهم الله.
دكان"رباح" يشبه كلّ الدكاكين في المدن البحرية المالحة حيث يتجمّع الناس كأنّهم في كروم العنب وجلول الزيتون إذ عند أهل الملح أنَّ الزيتونَ سَمَكُ البَرّ.
مررت من أمام دكان" رباح" فما وجدته إذ رحل منذ زمن. رأيتُ الباب المغلق يقصَر المسافات، لو يعود"رباح" إلى كرسيَه الصغير جالسّا أمام دكانه لنشتري الحلوى والأشياء.
انتظرت أن يقول لي الباب:كانت مصطبات دكان الحيّ ملعب الزمان،وكان وجهُ طفولتك في مواجهة صفير البحر والرياح، حيث لا فرق عند الصيادين بين عتمة المساء وفجر الصباح.
كان "رباح" هنا ودكانه مقصد الأطفال، راحت الحكايات العتيقة في ليل العمر الراحل. ننام مُتْعَبين والأحلام في مسرى غفوتنا آملين أنّ الصباح "رباح"

رمزه مروّه

٣ أيلول ٢٠١٨

.... ما بين غرفة نومها وباب مدخل البيت جرجرت "رمزة" ما تبقّى من جسدها وعمره ١١٠ سنوات ( ١٨٨٧- ١٩٩٧) ليحملها مرافقها إلى بيت العجزة لتقضي بقيّة أيامها، كي لا تبقى وحيدة، بعد وفاة زوجها "توفيق" (١٨٩٠-١٩٨٨).
في هذه الأمتار الصغيرة ما بين غرفة النوم والمدخل،التي لا تتعدى العشرة أمتار، لاح للمرافق أنّ"رمزة" استعرضت مفاصل حياتها، فعلى هذا الكرسي الهزّاز كان يجلس زوجها "توفيق" كلّ مساء ليستمع إلى الأخبار من راديو لندن، وفي هذه الغرفة كم صمّمت فساتين وعلّمت سيدات فنّ الخياطة وهي خريجة باريس (١٩١٣) قبل أن تأتي زيارة إلى مرسين فالميناء وتتزوج (١٩٣٥) من" توفيق" الذي كان يشتغل صيرفيًّا في محطة القطار.
قبل أن تغلق "رمزة" باب بيتها لآخر مرّة تلمّست أشغالها اليدوية على الطاولات الصغيرة وغسلت بدمعها مفتاح الباب الذي أودعته قفل الباب ولم تأخذه معها إلى حيث لا تنفعُ إلّا مفاتيح الذكريات في غياب تهجئة الكلمات

سوق الخراب

٣ أيلول ٢٠١٨

ما زال المعلّم"سامي" ينتظر الزبائن ليرسل لهم مع " أبو جورج" المونة والأطايب. في هذا الزقاق الضيّق، الذي كان البلد يومها، كما في امتداده إلى البوابة، كانت سينما"هوليوود" ملتقى المقطوعين من ألعاب اللهو التكنولوجية التي لم تكن قد ظهرت بعد. كان الأبطال يطلّون فقط عبر الشاسة الفضٌيّة حيث كنا نتابع أحداث الفيلم بعد انتهائه في هذه الأزقة أثناء العودة إلى البيوت المرفوعة شرفاتها على سندات خشب حسب الطريقة العمرانية التركية، والرافعة نوافذها المقنطرة على الطرق الفنّيةالعربية أو الاوروبية الإفرنجية.
هنا كان"الخال" و"كوزما" صانع الأشكال والمغاور بالجفصين و"أرتو" و"أوهانس" المصوّرين و"بندلي"الخيّاط و"نعيم" اللحّام و"قسطا" و"أبو يعقوب"و "جرجي" الحلّاقين و و”شاطرية" الفرّان وقهوة "الدقور"و"فكتور"الفوّال و"عبدو" السمّان و"ميسي" وغيرهم. هنا كان الحيّ حيًّا قبل أن تتوقف فيه عقارب الزمن وحركة البناء والترميم ليصير شريانًا ينبض بالحياة الصاخبة والهادئة بآن
كما كان ولكن ... كان يا ما كان

تحت القنطرة

٣١ آب ٢٠١٨

كرجت الدرّاجات الهوائيّة في هذا الحي كما كرج دولاب الذكريات مستعيدًا الوجوه التي كانت هنا ورحلت، أو ما زالت تواجه الريح قبل سقوط الحجر.
هذه القنطرة عمّرها مع قنطرة سينما "هوليوود" انطونيوس باسيلي الذي سكن البيت الكبير المجاور وكانت له الأيدي البيضاء في المساعدات زمن الحرب العالمية الأولى.
عبر تحت هذه القنطرة من علّم وتعلّم في مدرسة التهذيبيّة للصبيان التي كانت أول مدرسة أنشأها العثمانيون للتعليم في الميناء العام ١٨٩٦ عند رأفت الحسيني وبكر أبو بكر وجوزيف بندلي وعند مدرسة نتالي عازار للبنات، وهذه القنطرة التي تؤدي إلى سوق الخراب سكنت حولها عائلات لبنانية ويونانية وأرمينية وسريانية وفلسطينية وسورية.
كما كان صديقنا "كابي" هنا قبل أن يأخذ شبابه "كوع الجماجم" عند مدخل قرية" أنفه" العام ١٩٧٦ في سيارة الأجرة العائدة من بيروت.
هذه الأمتار القليلة كانت عاجقة بعائلات عبد الجليل والنجار والعبد وسرابونيان والرومي وبندلي وقيدوح وواكيم وغيرها، كما حفر جرجس لبان اسمه على حاجب الباب الأول شمالا وأرّخه سنة ١٨٧٨.
راح أهل الحيّ وبقي بعضهم. حجر يهدّد حجرًا وقنطرة تنازع لتبقى واقفة. لم تقض رياح الذكريات على من كان هنا. الخوف أن تسقط الأبنية بأنواء البحر المالح وترحل الوجوه

إبرة وبابور

٣١ آب ٢٠١٨

كانت أمهات ذلك الزمن الجميل يقمن مع قيام الصبح لتحضير أدوات المطبخ. فتسمعهنَّ "يتعالجون" مع بابور الكاز بإدخال طرف "إبرة البابور" في رأسه إفساحًا للمجال في تفتيح ثقوبه التي قد تكون قد سُدّت من حريق مادة الكاز أو من مخلّفات غبار أو ما شابه.
كنّا يصرخن على رأس البابور لتشتعل ناره فيما يُدْخِلْنَ سلك "الإبرة" تنظيفًا وتوسيعًا وتسهيلًا لعملية الاشتعال فالشغل كثير: حلَة الغسيل تنتظر، وكذاك طنجرة الطبخ، وليس من وقت لإنهاء كل هذه الأعمال.
هذه الإبرة شغلتنا ونحن صغار، فهي إن لم تنفع في إطلاق نار مشتعلة في رأس البابور فهذا يعني أنّه عليك أن تقوم من فراشك وتتوجّه إلى المعلّم "محمد الحموي" في ساحة ترب الإسلام ليعيد بمهارة وتقنية تنظيف وترميم الرأس ليشتعل.
للبابور "إبرته" للاشتعال،.
فمن يُشْعِلُ ذكرياتنا ويبلّل بالبَرَدِ ظَمَأَ حياتنا اليوم!؟

"دونابيت"و"هاكوب"

٣٠ آب ٢٠١٨

راح "دونابيت" ، وكذلك "هاكوب "الذي كان يجلس في هذه الأزقة مع عدّته لصناعة الأحذية. في هذا الزقاق الضيّق أمضى "هاكوب" وِسْعَ سنين طوال ، مع "دونابيت" في محله الصغير الضيّق، يخدمان الناس بمهنة حرفيّة.
"دونابيت" و"هاكوب" وصلا مع الواصلين إلى الميناء في أوائل القرن العشرين، وكغيرهما بحثا عن مهنة تقيهما جوع الأيام، فاشتغلا في صناعة الأحذية بمهارة : الأوَل في دكان صغير مقابل بيت آل أرناؤوط، خلف كنيسة مار جرجس، و"هاكوب" هنا يلبي طلبات الزبائن.
رحل "دونابيت" و"هاكوب" وكانا يشتغلان بهمّة خاصة مع ازدهار فرن"بهاء رضا" أو " ملكي" لاحقًا الذي كان ملتقى أهل الحارة: "أرغفة الخبز الساخن الطيّب وخبز صواني المعمول وأقراص السيوا".
راحت البركة والعفوية وعجقة الحيّ منذ راح الفرن وراحت عجقته. خمد بيت النار فيه وهدأ داخونه. راح الحرفيان"دونابيت" و"هاكوب" كما تساقط حرفيو المدينة البحرية رويدًا رويدًا.فرغت الأزقة القديمة من الأيدي المشتغلة بالطحين والفخار وشباك الصيد والخشب الفنّي. من يعيد وجه الرغيف السخن إلى الداخل، والفخار إلى الشاطئ، والشباك إلى وجه البحر ؟... ودقّوا على الخشب

سقالة الحديد

٢٧ آب ٢٠١٨

سقالة الحديد" من تحت غير "سقالة الحديد" من فوق. هذه السقالة رسميًّا أسسها"جان غرنبلاط" الفرنسي العام ١٩٢٢بعد أن نال امتياز إنشاء سقالة حديدية متعهدًا تجهيزها بالرافعات الميكانيكية التي تعمل على الفحم الحجري (ما زالت رافعتان منها موجودتين حتى الآن في ساحة القصر البلدي الجديد)، مع تمديد الخطوط الحديدية على "السقالة" وإيصالها الى عنابر الجمرك ،مقابل حصر تفريغ البضائع المستوردة والمصدّرة بحرًا عبر هذه "السقالة" .
كانت "السقالة" يومها كورنيشًا للجميع، الكبار والصغار، خاصة لما بدأ العمل عليها في تموز 1924.
منذ ذلك الوقت كان سطح "السقالة" للقفز إلى البحر ولهواة الصيد بالقصبة. كان يرتاح عند مدخل "السقالة" غرفة فيها عسكر من الجمارك لمراقبة حركة البضائع . أمّا الحديد الحامل خشب "السقالة" ثم باطونها الناعم فكان ملعب طفولتنا. نقفز من "مسكة" حديد "مجنزرة" إلى أخرى في سباق . كان الحديد القاسي شيئًا من شيطنة عفوية الأولاد الدافئة.كثيرا ما كنا نسقط في الماء بفرح أثناء اللعب البهلواني.
تلك "السقالة" مع أخريات قامت على شاطئ الميناء أعطت اسمها التركي والأجنبي ESCALE - الأسكلة للمدينة إلى أن غيّر المجلس البلدي العام ١٩٧٩ اسمها إلى "الميناء".هذه السقالة وأخواتها صقلت طفولتنا، وغسلت بمائها المالح أعيننا كي نكتب بشوق تاريخ هذا الثغر البحري

السوق العتيق

٢٦ آب ٢٠١٨

حين رفع أرثوذكس الميناء حنيات كنيستهم مار جرجس العام ١٧٣٥ م،بعد طلب الفرمان العام ١٧٣٢م، ما كان في بالهم أنّهم يبنون تحفة فنّية للأجيال القادمة.
بعد ٢٨٣ سنة تعود وجوه المعمرجية وبسطاء الميناء لتطلّ عبر ما تركوه عمرانًا على طول السوق القديم من كنائس ومساجد وخانات وقناطر لتشير إلى المعماريين الفنّيين الذين تركوا إرثًا يدلّ على مواهبهم وقدراتهم العمرانية في غياب تقنيات البناء الحديثة.
تحت هذه القناطر الجميلة تقع أقدم مغارة يقصدها أهل الميناء لنذورات من القديس "جاورجيوس" أو "الخضر".
من عمّر الميناء في القرن السادس عشر ، مع ازدهار الحركة البحرية الاقتصادية يسأل القائمين ،اليوم في القرن الحادي والعشرين، على شؤونها وشجونها الحفاظ على ما تبقى من إرثهم في الداخل- من برج المغاربة قرب الشاطئ الفضي وصولاً إلى البوابة مرورًا بقبوة الجامع العالي والمتفرّعات- نسيجًا أهليًّا وعمرانيًّا، بدعم بقاء سكانها في الداخل كي تبقى المدينة البحريّة تغسل وجهها بماء البحر على سرد حيطان التاريخ الناطقة حكايات حجرها وبشرها

زقاق الناس

٢٥ آب ٢٠١٨

هنا سكن "أبو طوني" بياع "عرانيس" الذرة الطيّبة الحبّات والأستاذ الجامعي "ايلي" وبيت "بنضو" و"نادر" و"عبد" وعائلات أرمنية وافدة في وحدة حال وعيش. هنا لا فضل لأحد على آخر إلا بخدمته ومحبته.
هذا زقاق كأي زقاق في الميناء القديمة حيث كان يخرج أهله عند الخامسة بعد الظهر لرشّ الماء أمام مداخل البيوت قبل أن تمتدّ الكراسي عند الأبواب حيث كان ينزل القمر ليسهر معهم على رائحة فنجان القهوة و"نَفَسِ"الأراكيل .
في هذه الأزقة كان يمرّ "أبو جميل" بائع البوظة" مناديًا "ياما ياما"، وسليمان أبو ممدوح" بعربته التي كانت تحمل الأدوات المنزلية، وحنا ضوميط " أبو ايلي" ( من قنات- بشري) بأقمشته الملوّنة و"زهير" و"توفيق" ببزوراتهم ومكسّراتهم. من يدرج الآن في هذه الأزقة التي كانت مقفلة وصارت الآن تؤدي إلى الشوارع العامّة؟!
كيف تعاملت عائلات هذا الحيّ وغيره الذي كان امبراطوريتهم الصغيرة وحدائقهم الداخليّة السحريّة قبل أن تنفتح قارورة أحلامهم إلى مخارج المدينة ؟!
حين انفتحت الطرقات ضاق الحلم واختنقت "الأحياء

هنا كرجنا

٢٣ آب ٢٠١٨

هنا كرجنا على شقفة كرتونة نتزحلق من على تلّة الرمل إلى فقش موج الشاطئ. من هنا كنا نعبر أرض "مابرو" ونقطع بناء "يزبك"وكنا نلتقي من ينكش التراب بحثًا عن قطع ذهبية، فعلى هذا الشاطئ كم تكسّرت سفن، وكم شهد معارك بين النازلين من مراكب البحر وبين أهل المدينة الساحلية.
هنا تعلّمنا السباحة في جورتي "العبد" و"المطران" قبل أن نخرج إلى جزر البحر الواسع، وهنا قشرنا التوتياء وتمتّعنا بطعمها. كنا نأتي في أربعاء أيوب في فترة الفصح ب"سيران" إلى هذا الشاطىء مع البيض والزيتون والخبز لنفطر هناك في تجمّع شعبي وعادة اندثرت.
في هذه المنطقة توزّع النازحون من بلادهم في النصف الأول من القرن العشرين : الأرمن والأشوريين والكلدان وأهل كريت( الأكرات) والسريان الذين بنوا العام ١٩٥٧كنيستهم( مار أفرام السرياني) الظاهرة في الصورة.كم حضن هذا الشاطئ من قست عليهم مخططات السياسة فكانت الميناء محطتهم قبل أن تحملهم المغامرة والبحث عن المستقبل إلى بلاد العالم وبقي حنينهم لأول منزل، كما يحمل الميناويون حبّهم لأول زقاق في مينائهم، وأوّل شاطئ، وأوّل ..... الذكريات

حبّة التوتياء وصحن التوتياء

٢٣ آب ٢٠١٨

كعين الديك كان ماء ذاك الشاطئ، الذي كان ملعبنا، ما بين المشتي و"زيرة" عبد الوهاب. كنا نقطع المسافة مشيّا في الماء، عبر "المكسبة" وحين تعجز أرجلنا عن ملامسة القعر كنا نطوف سكارى بملح "يحرحر" أعيننا.
كنا نختار موقع خطواتنا على أرض القعر، ما بين حبّة التوتياء وأختها كي لا نقع في فخّ الدّوس على إحداها ونقضي الوقت في حفر الجلد بإبرةٍ، رأسها مطهّر بنار كي نسحب الشوك.
وكثيرًا ما كنّا نأتي بصحن مصنوع من معدن التوتياء، نربط على فوهته قطعة من الشاش مثقوبة في أعلاها، نضعها في قعر الماء بحيث يدخل إليها سمك البزري من الفوهة ليبقى ضائعًا في الداخل.
كذلك كنا نلتقط "السلاطعين" على الشاطىء الصخري، بعد أن نقلب الحجارة لنكشف عنها في الشقوق، وكثيرٍا ما كنا نطحن "السلاطعين" بالحجر لتصير مرهمًا نضعه على راحات أيدينا أيمانًا منّا بأنّ هذا المرهم قادر على أن يخفّف من وجع ضربات مسطرة المعلّم يومها.
رَحَّلُوا حبّات التوتياء غصبًا عنها فانقرضت، واختفت صحون التوتياء من قاموس ألعاب البحر، وهاجرت "السلاطعين" إلى ما وراء الصخور.
عسى أن يبقى "الموج" ملعب الأجيال و"الأفق" مجرى الأحلام

طلمبة الماء

٢٢ آب ٢٠١٨

كم تعبت أيدينا من سحب الماء من بئر ماء حدائق البيوت العتيقة في الميناء. كانت طلمبة الماء توزّع ألحانها بحسب قوة الساعد والعضلات.
كلما وجدتَ طلمبة ماء وجدتَ حولها أحواض الحبق والزهر المتنوّع. كان العزّ يومها أن يسحب لك أحدهم الماء بواسطتها فيما تضع راحتيك تحت حنفيتها لينزل الماء فيهما وتغسل وجهك بماء البئر البارد.
ما زال صوت الطلمبة يسقي ذاكرتنا كما يهدر صوت الماء النازل كالحبّ المفاجئ في الشرايين الناشفة.
راحت آبار الماء العذب يوم قامت بنايات الباطون إذ تسرّب الماء المالح إلى قلب الميناء. صارت دمعة الماء الساحرة مأسورة في قارورة بدل أن تكون في ماسورة الطلمبة وإبريق الزجاج وجرّة الفخار.
الويل لبيت لم ينفخ في الأنبوب لصنع زجاجه ، والويل لبيت لم يلطّخ أصابعَه بِوَحْلِ فخّاره

زقاق الغار

١٧ آب ٢٠١٨

بعد أن سقطت مداخل المدينة القديمة وبواباتها لألف سبب وسبب يعيد بعضهم بناء القناطر، في الميناء، عند مداخل الأزقة القديمة. هنا قنطرة" الغار" نسبة إلى شجرة "غار" نابتة على الزاوية، وهنا في أوائل الستينيات كانت تقوم كنيسة مستشفى الأميركان البروتستاتنتية حيث كنا نعبر الزقاق القديم عائدين من المدرسة إلى بيوتنا لتناول الغداء، أيام كان الدوام المدرسي من الثامنة صباحا الى الثانية عشرة ظهرًا ومن الثانية إلى الرابعة بعد الظهر.
كنا نسترق النظر إلى داخل الكنيسة حيث كان تصدح أنغام "الأرغن" وما زالت ترندح في آذاننا.هي موسيقى تأتيك من رياح الذاكرة والصورة العتيقة عابرة قناطر العمر لتنزل في عقلك وقلبك بردًا وسلامًا.
عبرتُ اليوم من تحت القنطرة كأنّي أعبر الزمن رجعةً حلوةً إلى إرث عمراني نزل في العين ليسقي العطش إلى ما كان يا ما كان

ستي يا ستي

١٥ آب ٢٠١٨

بعد أن راحت القادوميات و"القهوة ع المفرق"، وبعد أن صارت خطوط سيرنا سهلة برًّا وبحرًّا وجوًّا، وبعد أن ضاقت المسافات والمساحات أزيد في ذكر الرحمة ل "ستي" (١٨٨٨-١٩٧٤) التي اكتفت ، في عمرها الطويل، بالجلوس أمام باب منزلها أو في مصطبة بيتها العتيق في أزقّة الميناء البحرية ولم تعرف ساحة غيرها. كان أبعد مشوار لها مشيًّا عبر زقاق "نص برطاشة" و"ترب الإسلام" ف "البوابة"، أو إلى قرية فيع - الكورة للاصطياف بضعة أيام ضمن استعدادات وتحضيرات لا تنتهي، أو لقضاء ليلة عيد السيدة في ساحة دير سيدة النورية.
"ستي" تزوجت صغيرة رجلاً وانجبت منه طفلة .لم يتنعّم الأب بتربية ابنته إذ أخذه سفر برلك العام ١٩١٤ لتنقطع أخباره. في العام ١٩١٩ التقت"ستي" ب"جدي (١٨٨٢-١٩٣٣) وكانت زوجته قد توفيت أيضًا وله منها ابنة وابن، فتزوجا وأنجبا صبيًّا وابنتين .
كان البيت عاجقًا ولم يكن أحد يتأفف. تزوجوا وأنجبوا وسطح القرميد الدافئ وَسِعَ الجميع، كما كان سوق الخضرة من وراء الخان باتجاه جامع غازي ملتقى أهل الميناء كلّ صبيحة لرزق وقوت وتموين ما بين محلات روادي ونادر واسحاق وجورج حنانيا وودرويشة والداكيز وغيرهم.
لما ماتت "ستي" راحت المصطبة، وبركة الماء، والدرج العتيق، وأحواض النعناع والياسمينة، وضعف السوق على حساب محلات الشىارع الجديدة الواسعة، وتوزّع أهل المربّع الواحد على مربّعات خاصة. ما عادت السهرات دوّارة كما كانت تدور، في النصف الأول من القرن العشرين، بين كبكوب الصوف وقصص كان يا ما كان والزير وعنتر الزمان.
الله ... على صبحية واحدة من صبحيات مصطبة تلك الأيام

٢٠ تموز ٢٠١٨

تَسْأَلُ"عزيزةٌ" عَنْ فُنْجَانِ قَهْوَتِهَا المُرَّة،
فيما يُلَمْلِمُ"الوزيرُ" "حَسْكاَتِهِ" عَنْ مَرْمَى فَقْشِ الموجِ.
كانَتْ حبّاتُ "التوتياء" تَغْرُزُ أشواكَها في بواطنِ أرجُلِنَا الطريَّةِ أثناءَ عُبُورِنَا مَشْيًا إلى جزيرةِ "عبد الوهاب"،
وكانَتْ صخرةُ "الأليفيت" عَشيرةَ الراجعينَ مِنْ ليلِ التَعَب، فيما تحرُسُ عينا "أبو قدّور" زوارقَ العمرِ المُبْحِرَة.
لماذا كُلَّمَا قَرَّرْنَا أَنْ نَنَامَ نَتْرُكُ البابَ مفتوحًا لأحلامِ الستينياتِ قبل أنْ تطلعَ علينا واقعيةُ الحاضرِ ورؤى الشبابِ المعاصرة.
قليلٌ من ذكرياتِ تلكَ الأيامِ يُفْرِحُ قلبِ المخضرَمِينَ بين ما فاتْ وبين ما هو آتْ آتْ.

(الصورة للصديق جاك أرتو)

نهاد الزيني ١٩٢٤-١٩٧١

٢١ حزيران ٢٠١٨

"البسكلة"في "الأسكلة"

هنا تعلّمنا في طفولتنا ركوبَ "البسكلة" في مدينة "الأسكلة" قبل أن يتحوّل اسمها إلى مدينة"الميناء" العام ١٩٧٩. هنا كرجت فينا دواليب العمر ما بين زقاق وآخر. هنا المعلّم "نهاد زيني" (1924- 1971) يصلّح لنا الدعسات والفرامات والجنزير وتوابع الدرّاجة الهوائية، واذا كان بحاجة إلى وقت لإنهاء عملية التصليح كنا نلملم النشارة من أرض منشرة "نعمة نعوم" ونتراشق بها ككرات الثلج.
هذه الزواريب كانت حياة المدينة ولما قامت الشوارع الجديدة خرج الكثيرون إليها، ففقدت الأحياء القديمة حيويتها وعفويتها وبراءتها. لا حياة للميناء أو لطرابلس إلا إذا دبّت الحياة الأولى في أزقّها، في قلبها القديم، وتمتّن ترسيخ عيش أهلها وسكنهم في الداخل لنربح الخارج

ايليا الحاج ١٩٠٤-١٩٩٧

١ حزيران ٢٠١٨

ايليا ناطور البحر

قليلا ما أغلق ايليا الحاج (١٩٠٤- ١٩٩٧) باب بيته ، في الميناء، كي لا يغيب الموج عن عينيه. كان ناطور البحر الأزرق قبالة دارة جارته "أسمى قديس زغيب" (١٩٠٤-١٩٧٩).
كان صيادًا بحريّا يوم كان البحر بحرًا، فيه الاسفنج والتوتياء والسمك والصدف والرزق. كان يهرب في طفولته من المدرسة ويختبىء في كورة "الفلوكة" لذلك لقب بالريّس مذ كان له من العمر ١٢ سنة.
كان الرزق يرتاح في باحة بيت"ايليا" قرب بركة الماء ليبيع "غلّة" الصيد وما تبقى كان يوزَعه على أهل الحارة.
يتذكر "ايليا" كيف كان يخرج مع والده إلى عرض البحر في هدوئه وهيجانه، ويذكر كيف ساهم والده مع الصيادين في بناء كنيسة النبي إلياس العام ١٨٦١. لم يتأخر "ايليا" مع رفاقه في الإبحار لما ضاقت المعيشة لجلب المؤن، خاصة وأنّه كان بارعًا قي حفظ مواقع الصيد والمفارق البحرية ومفاصل السفر البحري، كما كان خبيرًا بالطقس وتقلّباته، كان، بخبرته البحرية، ميزان الحارة والجوار في تحديد طقس الاسبوع وأحواله.
أغلق "إيليا" باب بيته المطلّ على شاطىء البحر وأبحر في ذاكرة المكان. نضبت بركة ماء بيته ولم يعد الرزق يلعب في الدارة. لم يبقَ إلّا ملح الذاكرة يطيَب مرِّ الأيام.

لطف الله مطرق ١٩٢٠-١٩٩٨

٩ آذار ٢٠١٨

اقترب عيد الفصح وبدأ "لطف الله" يؤمِّن بيض العيد، إذ عليه أن يجمعه من المزارع القريبة كي يبدأ بسلقه وتلوينه بأوراق البصل ليأخذ لونًا بانتظار انتهاء قداس العيد، قبل أن يأتي إلى دكانه قرب الكنيسة، عشرات الأطفال والشباب، لتبدأ مباريات "المفاقسة" والزهو بالانتصار، أو القبول بالانكسار.
لا يستقيم العيد في الميناء البحرية إلا اذا ارتبط بالعادات والتقاليد. "لطف الله" كان جاهزًا دائما لمغوار عيد الميلاد وبيض العيد، وكل ما يلزم ليشبه العيد أهل الميناء البسطاء المؤمنين.
كان دكان "لطف الله" ملتقى الشباب ومركز تجمّعهم. كلام كثير عندهم ووحده "لطف الله" قليل الكلام، لا يجادل ولا يتدخّل في أمور لا تعنيه. وحدها سيجارته تحترق لحالها بين شفتيه ويتساقط رمادها بصمت.
تداعى دكان "لطف الله"، وانتقل بعيدًا عن الساحة التي اشتاقت اليه بعد أن تركها. لم تَعُدْ حبّات العبيد أو "الأبوشار" ساخنة، كما أنَّ عصافيره هاجرت، لكنها عادت الى قرميد بيته البحري، من جديد، مع ابنه البير.
"لطف الله" اليوم في لُطْفِ الله وفي ذاكرة كثيرين.

أحمد الكراكيزي

١٣ شباط ٢٠١٨

أحمد خالد الكراكيزي 1873-1978

خرج "أحمد الكراكيزي" ، ابن الميناء، ليلا من خيمته، وهو العسكري المـُجبر في الجيش التركي(سفر برلك)، فلاحظت مدفعية جيش الحلفاء النور الموجود عند فتح باب الخيمة وإغلاقه، فقصفت الموقع الموجود في منطقة "روملي"في القسم الاوروبي من اسطنبول، ونجا "أحمد" وفرّ من الخدمة، ليصل إلى الميناء بعد ثلاثة أشهر من السير.
استقرّ احمد بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى في الميناء، واشتغل بحارًا في السفن في أعالي البحار ما بين سردينيا واليونان ورودس وغيرها من المرافئ.
تزوج العام ١٩٢١ من إمرأة من آل صابونة من طرابلس، وأنجبا "خالد" (١٩٢٤) وناجي( مات في الخمسينيات نتيجة مضاعفات عملية الزائدة الدوديّة)، ووحيدة ونجوى وعواطف.
اشتغل "خالد" في تصنيع وتصليح ماكينات معامل الغندور في اللاذقية وطرابلس، كما اشتغل في معامل القدس في النصف الأول من القرن الماضي. أما أولاد "خالد" فتوزّعوا بين فرنسا واستراليا ومنهم من بقي في الميناء. أما لقب العائلة" الكراكيزي" فيدلّ على من اشتغل بخيال الظلّ أو "الكاركوز"، وأيضًا هي كلمة لها جذور تركية وأرمنية ويونانية، فلا عجب إن صنّفتهم هذه الجاليات المذكورة في استراليا من عائلاتها المهاجرة، فيما اكتفى المهاجرون من آل كراكيزي في المهجر بانتمائهم إلى أزقة الميناء العتيقة ويحنّون إلى بيتهم العائلي في "زقاق الطاحون"، وإلى مشهد جلوس جدِهم "أحمد" في مقهى السمك، وإلى جلوس والدهم"خالد" اليوم أمام محله قرب القاعة الرياضية، وإلى طفولتهم الأليفة في غربةٍ امتدّت عمرًا ما حسبوه سيطول ويطول

احمد السلحدار

١١ شباط ٢٠١٨

أحمد عبد القادر السلحدار ١٩٢٠-٢٠٠٨

ما بين الزقاقين التاريخيين ، زقاق عكرة وزقاق عبس، في عمق الميناء القديمة، نشأ أحمد السلحدار(١٩٢٠-٢٠٠٨) بعدما نزح أجداده من تركيا. أحمد ، أبو غسان، الذي انصرف إلى البحر يعتاش منه، كان يبسط بسطته أمام سينما العلم. أما والده عبد القادر فالحكايات عنه كثيرة. كان مصارعًا حين تصدّى لعسكري فرنسي يطلب من ينازله، فتقدّم وطرحه أرضًا وغلبه، كما كان يرفع الزورق الكبير بذراعيه ليضعوه على خشب للصيانة.
أما كلمة " السلحدار" فكلمة تركية تعني "حامل السلاح" وهي من العائلات التركية، وخاصة من مدينة"إزنيق" في منطقة"بورصة" حيث القائد العسكري العثماني علي باشا السلحدار (١٦٦٧-١٧١٦)، الّا أنّ هذه العديد من أفراد العائلة، لأسباب مختلفة، انتقل إلى مصر، وله أملاك وحضور.
لكنَّ أجداد عبد القادر السلحدار أتوا إلى بحر الميناء، فكانت عائلة كبيرة سكنت قرب الجامع العالي وجامع غازي شأنها شأن العائلات الوافدة من مختلف المناطق. هنا، في محيط ترب الإسلام تكتشف أسماء العائلات التي جاءت، التي كانت والتي رحلت. لو يحكي البحر، لما توقّف عن سرد حكايات الذين نزلوا هنا وغابوا.
عبد القادر مات، ولم يقف على خبر من أخيه محي الدين الذي غادر إلى مصر، أما أحمد فأورث بسطته وسمكاته إلى رفيق الصبا والدراسة في طفولتنا ابنه غسان.
كم جاءت وجوه، وكم رحلت وجوه على شاطئ الميناء العتيق، هل، يا ترى، يذكر الملح ملامحَها

الكسندر عزيز

١٠ شباط ٢٠١٨

ألكسندر عزيز ١٩٠٦-١٩٧١
آل عزيز سكنوا الميناء وارتحلوا . والد أمهم من روسيا القيصرية حيث حمل أهل "الكسندر" حقائب ترحالهم ، من روسيا البيضاء،ليصلوا إلى الحسكة في سوريا. لم يبق من أرض الأجداد الا الاسم، فالأرض في سوريا صارت أرضهم ومسقط رأسهم ، فاكتفى بالاسم الروسي بديلا عن الوطن الضائع.
تطوّع "الكسندر" في الجيش الفرنسي يافعًا في الحسكة، وتزوج من جليلة السريانية الآتية من "مردين" في تركيا، إلى دير الزور والجوار.
هنا حكاية جديدة من الترحال حيث تمّ نقل " الكسندر" مع كتيبته إلى الثكنات في منطقة القبة بطرابلس، التي بدأ ببنائها الفرنسيون العام ١٩٣٧ .
"الكسندر" تنقّل في خدمته العسكرية الفرنسية بين طرابلس وبيروت، ولكنّ سكنه بدّله ليؤسس عائلته على شاطئ بحر الميناء الذي أحبّه، وأحبّ هذه الزواريب المتوغلة في عمق التاريخ.
مات "الكسندر"( ١٩٠٦-١٩٧١) تاركًا أحفاده: بيار، الكسندر، نعيم، موسى، جوني يلهون برمل ذكريات وصول أجدادهم من روسيا إلى الحسكة فبيروت فالميناء عاصمة حنينهم ووجعهم وحكاياتهم.
لما جاءت الحرب الأهليّة العام ١٩٧٥، اكتشف الأولاد أنّ جدهم لأمهم نال منذ زمان الجنسية الفرنسية أيضًا ، بسبب خدمته العسكريّة، فاستعادوها ورحلوا.
آل عزيز يعودون كل فترة إلى الشاطئ العزيز، إلى قهوة "القزاز" يستذكرون مسيرة أجدادهم وآبائهم في شوقٍ إلى ماضٍ لن يعود

جبران العشي

٦ شباط ٢٠١٨

لم يخطر في بال “جبران بطرس العشي” الجنوبي (1946- 2010)من قرية “درب السيم” أن ينتقل، بعد طفولته في سهول قريته وأوديتها، إلى “الميناء”البحرية شمالا. حين دخل السلك العسكري حمل "بيته” أي “بارودته" إلى الثكنة العسكرية في منطقة “القبة” بطرابلس ليخدم هناك.

التقى هناك في زيارة عائلية زوجته “فوتين رزوق” من الميناء، فتزوجا العام 1970 . وانتقلا للعيش في داخل الثغر البحري إلى سنة تقاعده وعودته إلى أرض درب السيم ليتوفى هناك.

عاش في "طرابلس" و"الميناء" أكثر من 40 سنة، تزوج وأنجب وعلّم أولاده وزرع فيهم شرايين أزقة "الميناء" العتيقة، بحلوها ومرّها، وما زال أولاده يزورون بيتهم العتيق " يقبّلون ذا الجدارا وذا الجدارا، ما حبَّ الديار شغف قلبهم، بل حبَّ من سكن الديارا".

أن يعيش المرء نصف عمره في أُلفة مع أحياء بحرية عتيقة ومع أحياء يجاورونه ويبادلهم الحبَّ والوفاء، دليل على تمتّع مجتمع "الميناء" بهذه الحيوية التي تحتضن جميع الوافدين، وتفتح لهم شاطئها ليكونوا كالموج والأفق، في سكنهم وتطلّعهم إلى أن يشهدوا، كما العسكري جبران وأولاده، لهذا "الميناء" الفريد

بيت نار البال

٤ شباط ٢٠١٨

لو نستطيع لملمة الخطى في هذا الممر الموصل إلى فرن "ملكي الحجار" أو فرن"بهاء رضى"لاحقًا.
ماذا لو تحدّثت الجدران عن الذين كانوا أطفالا في الخمسينيات ودرجوا هنا في مواسم الأعياد يحملون صواني"المعمول"و"السيوه" ليخبزوها في هذا الفرن العتيق الذي أغلق أبوابه؟
في مروري من هناك انفتح باب الفرن وصارت أرغفة الذكريات طازجة في بيت نار البال. هنا تسابقت النساء، بعد نهار طويل، في صنع حلويات العيد لتفوح روائح السمن الحموي وماء الزهر وتوابعهما دلالة على الفرح في البيوت.
كم عجقت هنا أيام الأعياد في أخذ مواعيد مع "ملكي" و"بهاء" لخبز الصواني التي كانت حلوياتها تصنع بأيدي نساء الحي مجتمعات لمساعدة بعضهن البعض.
في هذا الزقاق، كم تسابقت النساء لضيافة العابرين منتوجات العيد الطيبة تأكيدا على ذوقهن في صناعة الحلويات البيتيّة.
راح الفرن، وراحت حلويات الحيّ، ولم يبق إلاّ البال الحيّ في ذاك الزقاق العتيق

المختار ادوار روحانا

١ شباط ٢٠١٨

المختار المعلّم ادوار روحانه 1922-2007
حين عاد اسبيريدون روحانه (1885-1930) مع زوجته ظريفة السودا( ...-١٩٥٨) من الأرجنتين إلى الميناء لافتقاد الأهل في ثلاثينيات القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الاولى، لم يخطر في باله أنه سيموت في الثغر البحري وتبقى عائلته هنا وسط الأهل لينشأ أولاده السبعة في عهدة الأم والعائلة.
انصرف الابن الخامس ادوار روحانه ( 1922 -2007) وهو واحد من بين 7 أشقاء وشقيقات (ايليا، أدال، نازي، روز، ادوار، ألبير، حنا) العمل الى جانب والدته التي اشتغلت في خياطة الثياب . أما ادوار فتبناه الأستاذ مكاريوس موسى(توفي العام 1962 وتولّى إدارة المدرسة من 1933-1957) وعيّنه أستاذًا في مدرسة مارالياس، وصار لقبه "المعلم ادوار".
تخرّج على يديه آلاف الطلاب الذين عرفوا فيه القساوة والاهتمام والرعاية. يذكر طلابه إصراره بتحفيظهم، في شهادة السرتيفكا، ٥٢ موضوعًا إنشائيا، وأشهر موضوع إنشاء، ذاك الذي يبدأ بالآتي :"على الشاطئ اللازوردي الجميل، وفي بقعة هادئةمن بقاع الشمال، تقع مدينتي الميناء".
في العام 1963 انتخبه أهل الميناء مختارًا، واستمر إلى العام 1998 فكان مرجعًا لكثيرين، ثمّ استلم ابنه المختار ميشال أمور المخترة إلى اليوم. كان وراء تأليف لجنة لتخليد ذكرى الدكتور يعقوب لبان ( 1887-1968)، أبو الفقراء، عبر تمثال نصفي في ساحة الترب.
أطلق مجلس الميناء برئاسة الرئيس الأسبق محمد عيسى شارعًا باسمه يمتد من مدخل بناية حاماتي(سينما فكتوريا، أو مسرح المدرسة الأنطونية اليوم) حتى منزل آل روحانا حيث ترعرع وقضى سنواته الأخيرة.
"المعلم ادوار" أستاذ لعديدين ومهتم بالأمور الاجتماعية لعائلات كثيرة في الميناء، وخاصة في مشاركته بمناسبة الحزن حيث كان يهتم بتنظيم مسيرات الدفن، كما العادة القديمة في الميناء البحرية. رحل مختار الميناء وعينه على أرض ولادته، الأرجنتين، كما في إصراره على وضع قبعة أوروبية لعلّها تحمل شيئا من طيّبات تلك الأرض البعيدة

عبد الرحمن الأسعد

٣١ كانون الثاني ٢٠١٨

الحاج عبد الرحمن أسعد1936-2016
يسبقك بالسلام دائما بابتسامة مؤمن قنوع بما قسمه الله له.ورث ابنه أحمد حرفة"الإسكافة" منه، في المحل الذي استأجره والده العام 1970 في زقاق الطاحون،
تعلّم الحاج عبد الرحمن صناعة الأحذية وهو في الثانية عشرة من عمره، لكنه عاد واشتغل بحرفة الأحذية عند المعلّم أحمد النجار الملقب بالعبس وهو في السادسة عشرة من عمره، ولما توفّي المعلّم أحمد تزوج عبد الرحمن من ابنة المعلّم العام 1957 وأنجبا محمد وأحمد ومحمود وسبع بنات.
عمل عبد الرحمن أوّلاً في محل في شارع علم الدين ولكنه سكن مع هذه العائلة الكبيرة المباركة في الحارة الجديدة فرحًا بأن رقم سجله هو (٦)، أي أنه من أبناء الميناء المالحين، وأحسّ أنّ أرض الميناء لا تكفيه، فانصرف إلى تربية الحمام ليغزو الفضاء، منسّقًا هذه الهواية مع "أبو ايلي"( عبدالله الفلاح 1913-2002)، يجمعهما أيضًا استعمال الدراجة الهوائية في تنقلاتهما في أحياء الميناء العتيقة.
عبد الرحمن أسعد ما زال ولدك أحمد في محلك، يسبق الناس بالتحية والسلام، ليترحّم الناس على حضورك بينهم.كذلك يبحث الحمام الطائر في فضاء الميناء مع ولدك الآخر محمود عن وجهك فلا تجدك، تسمع دوران دولاب دراجتك الهوائية ولا تقع على خطواتك. صار هدير الموج المجاور أقوى من نبض الحنين، كما الجلوس تحت شجرة بستانك لتقرأ بعينيك الغائبتين في جمال تلك الأيام العفوية الأولى

المختار ابراهيم الحلبي

٢٣ كانون الثاني ٢٠١٨

كلما ألقى المختار محمود الحلبي نظره على فقش البحر المجاور لمقهى حلبي، يترحّم على والده المختار فؤاد محمد حلبي (١٩٣٣ -١٩٩٣).هذه الرحمة سبقه إليها اخوه المختار إبراهيم الذي تسلّم خاتم المختارية عن أبيه العام ١٩٩٣ إلى العام ٢٠١٠ يوم سلّم الختم لأخيه محمود العام ٢٠١٠ ليكمل المسيرة.
هذه المسيرة بدأت مع أبيهم فؤاد الذي عيّنته العام ١٩٨٢ حكومة الرئيس شفيق الوزان(١٩٢٥-١٩٩٩) مختارًا للميناء. غرابة الموقف أن من كان يصادق على إفادات الناس ،ويعرّف بهم، لم يقدّر له أن ينعم بحضور الأب، إذ توفي أبو فؤاد وهو في سنيه الاولى، فربّي وحيدا، ولم ينعم بظلِّ أبيه ،ولكن تعزيته كانت في عاطفة أمّه .
عمل الشاب فؤاد في مجال الغطس، وبعدها اشترى مركبًا لصيد الاسماك والاسفنج البحري. ثمّ تيسّر له العمل في مرفأ قطر، ولما عاد قام باستيراد التلفزيونات الملونة والفيديوهات والحامض والموز من قبرص الى لبنان.
تزوج وسكن في قلب الميناء العتيقة في شارع علم الدين، وأنجب سبعة صبيان وسبع بنات، وربّما يعود عدد الأبناء المبارك إلى شعوره بصعوبة اليتم، وأن تنشأ وحيدًا مقطوعًا من شجرة.
حين تولّى المختارية العام١٩٨٢عمل على خدمة أبناء الميناء مجانًا ،ومساعدة الفقراء، وشراء الادوية للمحتاجين على نفقته الخاصة، وبقى يلاحق مشاكل أبناء منطقته دون ملل إلى حين وفاته العام 1993.
بعد رحيله تمّ تعيين ابنه إبراهيم مختارًا العام ١٩٩٣، وبقي في مكتب أبيه على شاطىء البحر في مقهى الحلبي، بين الصيادين المالحين حياة وتعبًا ووجعًا. بقي إبراهيم مختارًا، تعيينًا وانتخابًا، إلى العام ٢٠١٠ حيث سلّم خاتم المختارية إلى أخيه محمود وما زال.
أكثر من ٣٥ سنة وختم المختار فؤاد الحلبي يصادق بصمت أوراق أبناء الميناء الرسمية. هو ختم يعرفه أهل الثغر البحري ختم محبة ووفاء في مواجهة أعاصير الموج شهادة لمن نشأ في مدينة الميناء وصار منها، وصارت فيه

أديب رحال

٢٢ كانون الثاني ٢٠١٨

أوصى أديب رحال(١٩٣٢-٢٠١٣) أولاده بأن يدفنوه في الميناء، وهو الآتي من بلدة "غريفة" في الشوف ليخدم في سلك الدرك في هذه المدينة البحرية، متأثرا بخدمة والده داوود في سلك الدرك.
توفيت والدته "نظيرة"وهو في الثامنة من عمره، فعاش مع إخوته:اميل – أمال – أنجيل – ميشال - أسمهان ) إلى أن نال شهادة البريفيه لينتقل الى بيروت، ويدخل سلك قوى الامن الداخلي في عمر التاسعة عشر وكان رقمه العسكري(1864).
خدم أبو طوني في العديد من المناطق اللبنانية، وكان آخرها طرابلس متدرجًا في الرتب حتى وصل الى رتبة مؤهل أول، وخدم برتبة اّمر فصيلة في مفرزة السير في الشمال، وبقي في السلك حتى 1992 اي 41 سنة خدمة فعلية.
كان "أبو طوني" معروفًا باستقامته ونزاهته التي ضرب بها المثل.وقد اتخذ من الميناء التي أحبّها مسكنًا العام 1968، بعد أن تزوج من "إنعام قازان" وبعد سكنه في بيروت.
كانت الميناء حلمه ، ببحرها وأزقتها. وبشارع فرح أنطون الذي سكن فيه، ولم يتركه حتى في أصعب أيام الحرب. كان الميناء ، في زمني السلم والحرب، ملجأه ووسادته وملعب أولاده الخمسة: طوني- نورما – نينا – ليليان – ايلي الذين تربوا على يديه تربية صارمة مستقيمة، ونالوا علمهم في مدارس المدينة.
أحبّ الجميع وكان لهم صديقًا لطيفًا، دافئ اللسان، مؤمنا بالله، خادمًا في جمعية رعية الميناء للروم الكاثوليك. يشهد له أهل الميناء بمجانيّة محبته وباخترامه للكلّ وخصوصا حين كان مسؤولا" عن أمن السنترال قبل تقاعده..
هذا الآتي من أعالي الشوف أحبّ نسيج الميناء وحكايا الصيادين، ورأى أن في هذه المدينة يتربّى الاولاد بانفتاح ووعي ومعرفة. فبقي فيها، بحياته ومماته. آمن بالتراب المالح هنا الذي يحفظ المودّة والوفاء.
أبو طوني غلبه المرض، ولكنّ حبِه للميناء انتصر على الموت ليقوم في قلوب أبنائه، وقلوب من عرفه

سمير العش

١٦ كانون الثاني ٢٠١٨

سمير موسى العش

عاش سمير ( ١٩٥٠-٢٠١٥) في أحلامه منذ طفولته التي بدأ فيها ببيع "الحراتيق" على بسطة أمام منزل والديه، إذ كتب على مدخل هدا المنزل"مملكة الألعاب" التي حُرِمَ منها في طفولته.
انطلق سمير من هذه البسطة المتواضعة، بعد أن يعود من دراسته في مدرسة النصر على"البوابة"، ومن تعامله مع الناس في دكان سمانة أبيه "موسى"على ترب الإسلام إلى عالم الألعاب، فبنى " مملكة الألعاب" للأطفال محققًّا حلمه ومساهمًا في رسم ابتسامة على وجه كلّ طفل يدخل "المملكة" ولا يخرج إلا بلعبة، ولو مجانيّة"، فلا عجب إن ناداه الأطفال من مختلف أحياء الميناء" بابا سمير".
هؤلاء الأطفال صاروا لاحقًا ماكينته الانتخابية يوم ترشّح لمنصب المختارية وفاز ، العام ١٩٩٦ بأصوات الوفاء أوّلاً.
تزوج من ليلى غازي رفاعية العام ١٩٧٤ وأنجبا هنيمار وملاك وموسى الذي يتابع حلم أبيه ويسهر على أن تبقى ذكرى والده عطرة في غيابه كما في حضوره ،في مملكته التي أسسها العام ١٩٧٤ .أما اسم "هنيمار" فنحته "بابا سمير" من اسم والدته واسم حماته تقديرا لهما، فمن اسم والدته "هنية" أخذ "هني" ومن اسم حماته "مارغو" أخذ "مار" ونحت من اسميهما اسم "هنيمار".
"بابا سمير" كتب اسمه في أخيلة أطفال الميناء والجوار، بلطفه وعفّة لسانه فربح ذكره في قلوبهم. آمن "بابا سمير" بأنّه إن لم نعد كالأطفال لن ندخل "مملكة الألعاب"، وآمن بأنّه ماذا ينتفعُ الإنسانُ إذا ربح طفولته وخسر هداياه؟
"بابا سمير" كان هدية أولاد الميناء البحري، وكانت مملكته جنيّة البحر ترمي الهدايا للصغار كي يشعروا أنّ الحياة لهم وعابقة بعلب المفاجآت.
( في الصورة بابا سمير والحفيد سمير)

اغوب الموهانيان

١٣ كانون الثاني ٢٠١٨

أغوب الموهانيان

وصل "أغوب الموهانيان" (١٨٩٤-١٩٨٤) إلى الميناء آتيا من تركيا العام ١٩١٤ ، أو خلال الحرب العالمية الاولى.عاش في الميناء في دارة جميلة، اصطفت على حيطانها تنكات الزهر والياسمين، وغرف للسكن توزّعت على عائلات "عريرو" و"القوزي" و"أنطون" و"الموهانيان ،متقاسمين العزف على طلمبة الماء من البئر في وسط الساحة.
تزوج أغوب من سجيعة كالوسيان(١٩٣٩-٢٠٠٤)، وأنجبا "سيلفانا"، "طوني"، "ادمون"، "سام"، "جاندارك"، "فيوليت".
كان "أغوب" يقف أمام باب " الحوش" وسيجارته في فمه مفكرًا بما سيرسم، ف"أغوب" كان رسامًا يتقن لعبة الألوان وله في مقهى "بهنان" بشارع البلدية لوحة لشرفة تطل على بحيرة، كما رسم لوحة لمبنى الجمرك وأهداها لرئيس الجمرك يومها.
رحل "أغوب" وترك ألوانه في مغيب شمس بحر الميناء. راح "الحوش" الجميل، وقامت مكانه قرب سينما رابحة، بناية ضخمة لم تقدر على أن تنسينا تلك اللوحات الجميلة وليالي السهر في تلك الساحة المفقودة.
ماذا لو عادت ريشة" أغوب" لترسم الميناء العتيق ؟! ماذا تشطب وماذا تعيد؟!

نقولا كرم

١٣ كانون الثاني ٢٠١٨

نقولا كرم

من أغنياء الميناء.كانت له أملاك كثيرة. اشتغل مع آل كرم بتجارة الخشب. توزّعت عائلة كرم بين الميناء والإسكندرية. كانوا من أهل العطاء.
نقولا كرم (لم نستطع أن نقف على تاريخ ولادته ووفاته بانتظار من يسعفنا في ذلك وإن كنا نرجّح ولادته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووفاته في الربع الأول من القرن العشرين) هو أول من أسس حمامًا عامًا في الحيّ المسيحي خلف كنيسة مار جرجس في أرض آل نعوم اليوم ، وذلك أواخر القرن التاسع عشر ،وسمّي بالحمام الجديد تمييزًا له عن الحمام القديم الذي بناه والي طرابلس أسعد باشا العظم، حوالي العام ١٧٤٠ ميلادي، في وسط سوق الخضار تحت الجامع العالي الكبير.
وررد في الكتب أنّه في العام ١٩١٦ أقامت السلطات التركية في "دار عالية من أملاك نقولا كرم على الشاطئ، مركز مراقبة بحرية لمنع هروب الشباب الميناوي من الخدمة العسكرية بحرًا "
مضى كثير من الشباب إلى عالم جديد، عاشوا وماتوا وفي نفوسهم شيء من ميناء الذكريات

بنايوتس كركس

١١ كانون الثاني ٢٠١٨

بنايوتس كركس ١٨٨٠-١٩٦٠

أقام أجداد "بنايوتس" جنازًا ودفنًّا له في بلدة “kapsia” ، قرب مدينة طرابلس اليونانية ، العام ١٩١٠ ، بعد أن غادر مع رفيق له قريته باتجاه أميركة عند عمّ له، فلم يصل إلى أميركا، ولم يعد إلى اليونان، فظنّوا أنّه غرق في البحر.
لكن الرفيقين نزلا من الباخرة في الميناءالعام ١٩٠٨ واستوطنا فيها دون معرفة السبب. إلا أن رفيق "بنايوتس" عاد بعد ست سنوات إلى قريته في اليونان وصحّت الآية: كان ميّتا فعاش.
لكن " بنايوتس" لم يعد ولا مرة إلى اليونان، ربما خوفًا من تأثره بلقاء الأهل وبقائه هناك.فتزوج في الميناء وأنجب نقولا( من أول أطباء الأسنان في الميناء)، كوستا واريستو ( القنصل اليوناني في الميناء) وإيلان وكريستين وسبيرو( الذي استشهد في محاولته البطوليّة لإطفاء حريق في شركة ipc وهو في العشرين من عمره).
جاء "بنايوتس"من آخر الدنيا يومها مهاجرًا إلى أميركا آخر الدنيا، لكن الميناء استهوته بأزقتها وطيب مقامها. فبقي فيها ولم يبرح منها، فيما قام أولاده بزيارة أجدادهم في اليونان ، لكن البحر باعد بين أفراد العائلة، ولكنهم جميعا بقوا على محبتهم للأرض التي أتوا منها، فيما يساهمون في تنوّع اختصاصاتهم في تطوير المجتمع الميناوي ورفعته

أغاثوكليس نيكولايدس

٧ كانون الثاني ٢٠١٨

وصل "اغاثوكليس نيكولايدس" (١٨٨٩-١٩٦٢) إلى لبنان من اسطنبول العام 1936، ليستقرّ مع زوجته وأولاده الثلاثة : "أغلاييا" (١٩١٨ -٢٠٠٧ ) تزوجت من "انيستي كومنينوس"، و"أفدوكسيا" (١٩٢٠-١٩٦٧) تزوجت من "ياني انجيلوبولوس" وسكنت بيروت. و"ياني"( ١٩٢٢-٢٠٠١) الذي تزوج من "لوريس باسيل روادي" ،وأنجبا خمسة أولاد: صوفي، نينا،ميري، ساندرا، اغاثوكلي أو لايكي.
اختار "أغاثوكلس"السكن في الميناءحين نقلته الشركة الفرنسية التي كان يشتغل معها في مصلحة ادارة المنارات في اسطنبول ، الی الشرق الاوسط ليراقب منارات شرق البحر المتوسط، من اسكندرون حتی حيفا، وسبب اختياره الميناء لموقعه الوسطي بين اسكندرون و حيفا.
بعد وفاة "اغاثوكليس" تولّی ابنه "ياني" منصبه واصبح مراقب منارات لبنان فقط بعد تأميم الشركة التي أصبحت تابعة لوزارة النقل البري الجوي و البحري، لكنه تقاعد سنة ١٩٨٧.
توزّع الأبناء في أرجاء المعمورة، ما بين لبنان واليونان. "ياني" الأول كان الميناء له مرفأ أمينا، أما حفيده"ياني ليساندرو" فوجد في أساطير اليونان وأرض أجداده ملاذًا. تبقى الأرض ثابتة ولو دارت ، والإنسان دائر ولو ثبت واستقر في مكان واحد، لكن هذا المكان الواحد كميناء طرابلس موجه ذاكرة، وشراعه حلم مسافر في بال "آل نيكولايدس" وكلّ من سكن الميناء، واعتاد رطوبة ناسه وحجره

اريستو كركس

٧ كانون الثاني ٢٠١٨

أريستو كركس١٩٣٠/ ١٩٣٢-٢٠٠٧

حين استقرّ والده "بيانوتس" في الميناء العام ١٩١٠، فيما كان متوجّهًا إلى اميركا، تزوج وأسس عائلة في هذا الثغر البحري. من أولاده أريستو كركس الذي طبع حياة اليونانيين في الميناء بخدمته العامة لهم كما لأبناء الميناء عامة، وساندته في عمله زوجته وداد سابا، الناشطة اجتماعيًّا. ( تزوجا العام ١٩٧١).
عمل أريستو مسؤول محاسبة في محطة الحديد، وكان مؤسسًا للنادي اليوناني وللكشاف اليوناني، وصحافيًّا في صحف لبنانية ناطقة باللغتين الفرنسية والانكليزية. ختم حياته بتسلّمه قنصلية اليونان في الميناء(١٩٧٨-١٩٩٣) مساهمًا باسم الدولة اليونانية ومنسقًا مع الجيش الفرنسي بإخراج ياسر عرفات( ١٩٢٩-٢٠٠٤) ومقاتليه من طرابلس العام ١٩٨٣ على متن خمس بواخر يونانية.
أريستو كركس الحاصل على أوسمة لبنانية ويونانية وفرنسية انتمى إلى الميناء بروحه ومحبته ولم يقصّر في تأمين منح تعليمية في اليونان لكثيرين، كما ساهم في تمتين العلاقات اليونانية اللبنانية. كانت مدينة الميناء مساحته المفضلّة، فكان الحضور اليوناني فاعلا في هذا الميناء البحري الذي احتضن الجميع

مانتيا رزوق

٤ كانون الثاني ٢٠١٨

"ايفانطيا" أو "مانتيا" رزوق١٨٩٠-١٩٨١
من المعلّمات السنديانات في الميناء البحري. عاشت على شاطئه الغربي وأبحر معها كثيرون في ورشة التربية والتعليم. . علّمت في مدرسة مار إلياس في النصف الأول من القرن العشرين. كانت من خريجات المدرسة الروسية التي أنشأتها الجمعية الإمبراطورية الروسية في الميناء. أتقنت اللغة الروسية في هذه المدرسة التي عادت وعلّمت فيها والمعروفة باسم مار إلياس، ولعلّها حضرت حفل تدشين هذه المدرسة العام١٩٠٠، وكانت تلميذة في العاشرة من عمرها.
لا أعرف إذا استمع أحد لذكرياتها، أو سهر قريبٌ لها على تسجيل ذكرياتها، فهي سجل حيّ لتاريخ هذا الثغر البحري، بعلاقات أهله، ونمط عيشهم.
توفيت "ايفانطيا" أو المعلّمة "مانتيا" في ١٨ آب ١٩٨١ تاركة وراءها إرثًا من الذكريات العابرة إلى عالمٍ، كان عفويا وعارفًا للوجوه والأسماء والحارات التي كانت تتسع للعالم

شيخ المعمرجية

٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

انطون الكيك١٨٩٥-١٩٨١
كان طويل القامة كالرمح وكان اللاعب الأول بامتياز في استعراض السيف والترس في المناسبات. كان أيضًا فنانًا معمرجيًّا خاصة في بناءالقناطر وحجارة الزوايا، فنال لقب "شيخ المعمرجيِة"، بوثيقة لدينا نسخة عنها، من رئيس بلدية الميناء عبد الستار علم الدين (١٨٤٩-١٩٦٤)، الذي تولّى رئاسة بلدية الميناء(١٩٣٢-١٩٣٤)، بسبب قدرته الهندسية في بناء الجزء الجديد على مئذنة الجامع الحميدي، الذي بني العام ١٩٠٢ على أنقاض أول مدرسة رسمية أنشاها الأتراك في الميناء.
يروى عنه أيضًا قيامه بنقل الشباب هربًا من الالتحاق بسفر برلك العام ١٩١٦، بمركب من أمام شاطىء كنيسة النبي الياس، حيث كان يقوم بالتجذيف اليدوي، ويوصل الهاربين إلى البواخر الراسية بعيدًا أو إلى جزيرة أرواد.
"شيخ المعرجيّة" تاريخ مختصر لأحوال الزمان يومها في الميناء التي تقلّبت الأحداث فيها في النصف الأول من القرن العشرين بين انتهاء الحكم العثماني ، بعد الحرب العالمية الأولى،وبدء الانتداب الفرنسي، فقيام الجمهورية اللبنانية والحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان.
هذه الأحداث كلّها كانت عينا"شيخ المعمرجيّة" ترقبانها وتحكياها لأجيال تتناقل بطولات من رحل من أبناء الميناء المالحين

تأسيس بلدية الميناء

٣٠ كانون الأول ٢٠١٧

يعود تاريخ تأسيس بلدية خاصة بالميناء إلى الحاج عثمان علم الدين ،بسبب الخلاف مع طرابلس حول فوانيس الإنارة في العام ١٨٨٢م ، يوم كان لطرابلس والميناء بلديةً واحدة، فسافر إلى دمشق ،مركز الولاية، واستحصل على أمر من والي دمشق الذي كانت طرابلس والميناء تابعتين له، بإنشاء بلدية خاصة بالميناء، وتنصيب الحاج ابراهيم علم الدين رئيسا لها العام ١٨٩٥م.
وتناوب مع علم الدين على الرئاسة، خلال العهد العثماني، محي الدين كبارة ومحي الدين اليافي، أما في عهد الانتداب الفرنسي، فترأس نور علم الدين الرئاسة العام ١٩٢٠، ولا تتوافر معلومات عن أعضاء المجلس وقتها.
وتناوبت على الرئاسة في المئة سنة الأخيرة من الميناء عائلات : كبارة، اليافي، غازي، عبد الوهاب، بايقلي، الحلو، عيسى، علم الدين، في حين تناوبت على نيابة الرئاسة عائلات: كرم، دوماني، خرياطي، دروبي، الكيك، فلاح.
لقد ساهم تحرير وضع الأسواق القديمة منذ العام ١٩٩١ تحت الدرس مترافقًا مع إلغاء التخطيطات عن مئات العقارات لفتح الشوارع فيها العام ٢٠٠٥ ، على الحفاظ على نسيجها العمراني والأهلي. المطلوب اليوم وضع مشاريع دعم انتاجية لأهل هذه الأسواق وتثبيت سكنهم فيها، في خطط دعم رسمية وأهليّة للترميم، إذ ماذا تنتفع المدن إذا ربحت شوارعها وخسرت أزقتها وهوّيتها وقلبها العتيق؟

سينما هندية

٢٦ كانون الأول ٢٠١٧

و.......نعود الى شامي كابور، الممثل الهندي،(١٩٣١-٢٠١١)، الذي سكن طفولتنا بغنائه وبمواقفه السينمائية على شاشتي سينما سلوى وراديو. في هاتين الصالتين شاهدنا" ماسح الأحذية" و" من أجل أولادي" وغيرهما، وفي هاتين الصالتين سكب الجميع دموعًا توازي طول الأفلام الهندية.
ما علاقة مواضيع الأفلام الهندية بمجتمع الميناء البحري؟ يبدو أن الميناء الهادىء القديم التقى مجتمعيًّا بشكل أفراد العائلة الهندية عدديًّا، كما كان ينقص هذا الميناء صخب إيقاع الرقص الهندي وعدد الراقصين، إضافة إلى القيم الإنسانية التي يعرفها المجتمع الميناوي، كالمجتمع الهندي الريفي، في التعاضد والتآلف والمشاركة في الأفراح والأتراح.
هنا في الهند تتذكر شاشات الميناء حيث كان شامي كابور يغني" أيا يا كولمي يا سوكو سوكو”،
وهنا في الهند تتذكر رينه ووليد وجورج والشباب،
وهنا في الهند تتذكر جان، شبيه شامي كابور، الذي كان بسكن ، قبل هجرته، في الزاروب المؤدي إلى سينما راديو،
وهنا في نيو دلهي تتذكر ميشال المهاجر إلى استراليا، والذي كان موهوبًا بحفظ الأغاني الهندية، ليغنيها بعد انتهاء الفيلم، وليخطف الساري الهندي ساري الميناء البحري إلى أقاصي الدنيا

سقالة الحديد

٢٦ كانون الأول ٢٠١٧

بناها جان غرنبلاط الفرنسي الذي تقدّم العام ١٩٢٢ م. بطلب امتياز إنشاء سقالة حديدية متعهدًا بتجهيزها بالرافعات الميكانيكية التي تعمل على الفحم الحجري، في عهد رئيس بلدية الميناء يومها نور علم الدين( رئاسته ١٩٢٠-١٩٢٦م.)، وما زالت الرافعتان موجودتين في باحة القصر البلدي .
انتهت أعمال إنشائها العام ١٩٢٥ م، وأدارها الفرنسي أوكتاف أبوار والمهندس اليوناني جاك تاتاراكي .العام ١٩٣٧م. استردّت البلدية الامتياز من غرنبلاط ،ودفعت له خمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية.
هذه سقالة الحديد لم تمنع عمل سقالات الخشب الممتدة على الشاطىء لتصدير الحمضيات أو الأخشاب كسقالة آل كرم وآل علم الدين وغيرهم.
هذه السقالات كلّها كتبت بعرق جبين من اشتغل عليها من أجانب وأبناء الميناء. هذا تاريخ بحري تأخذه موجة وتردّه أخرى، لكنه يبقى في الذاكرة نبض ذكريات وحنينًا إلى ما مضى ولن.... يعود

مصطفى حولا

٢٦ كانون الأول ٢٠١٧

من أكبر المحسنين لأبناء الميناء خلال الحرب العالمية الأولى(١٩١٤-١٩١٨). بنى ثروته من عمله في تجارة الخشب. يروي كبار السنّ أنه كان يبتاع كل يوم مائة كيلو من الدقيق ، يجري عجنها بأحد الأفران لحسابه، وكان يبتاع كمية أيضًا من الخضراوات يطهوها في منزله.
قبيل العصر كان يقعد أمام باب داره، ويقوم بتوزيع أرغفة الخبز، وكميات من الطعام على فقراء الميناء. توفي العام ١٩١٧ . قام مهاجرو الميناء في الولايات المتحدة الإميركية، حبن بلغهم خبر وفاته، بإرسال السيد نعمة تادرس خصيصًا ، وهو من مهاجري الميناء، ليضع إكليلا من الزّهر على ضريحه شكرًا على ما قام به من عمل جليل.
كان الخشب تجارة رائجة ما بين الميناء والإسكندرية، لكن تجارتها لم تنجح في تحويل قلوب أبناء الميناء البحري إلى قلوب خشبية، بل بقوا، كما مصطفى حولا، على عفويتهم وميناويتهم: بحرًا من العطاء في زمن الحرب، وموئلا للراغبين في سلام بلا عواصف ولا أنواء، ولو قست، أحيانا، تقلّبات طقس البحر على أبنائه

جرجس يوسف نعوم

٢٣ كانون الاول ٢٠١٧

ابن الميناء الشاعر الضرير جرجي يوسف نعّوم(١٨٤٤-١٨٩٥)، هو الرائد الثاني في حركة المسرح في طرابلس بعد ميخائيل ديبو(...-١٩١٦) الذي عرض مسرحيته: "الشيخ الجاهل" في باحة كنيسة النبي الياس العام ١٨٧٢، فيما مسرحية نعّوم: "المرؤة والوفاء" عرضها بعد هذا التاريخ وقبل عرض تلامذة مدرسة الفرير مسرحيتهم "نبوخذ نصّر" العام ١٨٩٢.
يرجّح الباحث الصديق مارون عيسى الخوري أنّ الشاعر الضرير جرجس نعوم عرف العزف والغناء والنظم، إلى جانب شاعريته ونصوصه المسرحية. فقد شاعرنا بصره وهو في الثالثة من عمره، وكان شديد الذكاء، استدعى له أبوه الخوري نعمة النجار ( توفّي العام ١٨٧٤)، وأخذ عنه القراءة والكتاب وقرض الشعر. فنشأ راويةً، وكتب مسرحيات وله ثلاثة دواوين.
من ديوانه استخرج العلاّمة مارون عيسى الخوري أسماء العائلات التي ذكرها شعرًا في مناسبة ما، وهذه العائلات كانت موجودة في الميناء العام ١٨٧٥ تقريبا ومنها: نادر-نقاش-كرم-بربور-دوماني-دياب-كاتسفليس - نجار- ديبو-مرعي-مروة-فرح- الانواتيّ-زرعوني- بولس-طرابلسي-المر-خوري-فاضل-مرقس- سابا-سليمان-سعادة-خريستوفي-المزيّات-الترك، الصفدي.
هذا الشاعر الضرير لم يسكن عينيه إلا صوت موج شاطىء الميناء فهزّ هذا الصوت أحرف أبجديته، فصاغ الكلمة والإيقاع والموسيقى في هذا الماء البحري ولو لم يكحّل عينيه بملحه

خوجاية منّة

١٨ تشرين الأول ٢٠١٧

وحدها محبة الست منّة قنيزح( ١٩٠٦-١٩٨٦)، كانت الواحة في صحارى وحدة طفولتنا وفراغها، قبل أن يزيدالتلفاز والفيديو والدش والكومبيوتر من وحدة أولادنا، ويرميهم في أزقة الانزواءوالصمت القاتلة أمام أجهزة تسلبهم الحكايات وأقاصيص الليالي ودفاتر الروايات.
في خوجاية"منّة" حديقة فيها تينة وارفة، وياسمين و"ازدرخت". على جذوع التينة حفرنا أسماءنا وتحت الحصى خبأنا أشياءنا. بين الحجارة العتيقة وشقوق الجدران القديمة وضعنا قصاصات ورق حملت أسماء المحبين قبل أن يهجم الباطون والخفّان ويسرق الأحلام والطفولة.
وحده سبيل الماء في زاوية الزقاق كان عشير عجقتنا. كان حلم الواحد من أن تسمح له الست" منّة" أن يسرع ركضًا من باب بيتها إلى السبيل ليبلّ ريقه.
أقفل صاحبي صنبور الماء، قرب خوجاية "منّة"، بعد أن غسل وجهه وسار. مشى خطوتين. وقف. التفت خلفه، تحسس جبينه، عاد إلى الصنبور، فتحه، ترك الماء منسكبًا في جرن السبيل، أمسكني بيده، مشينا بعيدًا، سمعنا صوت الصنبور ينادي العطاش والصيادين والعمالل. فجأة صار الحيّ القديم أمامنا على مدى وجه

حيّ قديم

١٨ تشرين الأول ٢٠١٧

أغلق الصيادون أزقتهم، وخرجوا إلى موجهم وأفقهم. كان ميناؤهم مرتاحًا إلى شمس حارقة ونسيم عليل. رفع البسطاء نوافذهم إلى درب ضيق، تتسابق فيه الجدران المتواضعة المبنية بالحجر الرملي البحري لتلتقي.
يمتدّ الدرب كليالي صيادي الميناء وعماله. لم يعرف أولاده غير اللهو في الأزقة العتيقة المقدسة. يضيع أبناء الميناء في دروب الدنيا، ولا تضيع شعاب الميناء الداخلية في قلوبهم. يخرجون منها إلى العالم ولكنها لا تخرج منهم.
هذه حارات أليفة البشر والحجر. هي محجّة الراغبين في هدوء نفس وسكينة روح. في كل حجر حكاية عمر وقصص لعائلات ارتحلت، وبقي اسمها محفورًا على حيطان الذكريات من شيطنة الطفولة. في عمق الصورة بناية توفيق السراتي، والحيّ ،شعبيا، على اسمه، أو " ورا البلدية". بقي الحيّ ورحل الساكنون.
من أطفأ قنديل السهر في أحياء المدينة القديمة، وصرف المدعوين؟

نقولا بو داس

١٩ تشرين الأول ٢٠١٧

نقولا بو داس من رعيل الذكريات. ذاك الذي كان ينتظرك على باب سينما"رابحة"ببطاريته، ليدلّك إلى مكانك.
دارته كجاراتها: سور وحديقة ومربّع عتيق. كان يعتزّ ببطاريته منارة في ليل الميناء. لكنه خسر وهجه زمن الحرب،حيث صار لكل واحد بطاريته لإنقطاع الكهرباء الدائم.، فلم يعد يطلب أحد منه أن ينير له الدرب المعتم.
في تلك الليلة لم يلق التحية على الياسمينة، المرتاحة بخجل، عند سور بيته. لم يخبط باب داره بقوة ليقفز القمر من غفوته أمام المصطبة. لم ينتبه "أبو داس" أنّ القمر كان نائمًا نصف غفوة، وأنه كان يراقب إحباطه.
قرر أن ينام،وأن يكتب نهاية لكل الأفلام التي شاهدها، ولم تعجبه أكثر نهاياتها.
استلقى على فراشه. لأول مرّة يرى السماء شاشة تروي أفلاما متواصلة عن الأحلام الجميلة.
تلك الليلة لم يفتح "بو داس" نور بطاريته. أسكتها. لم يرفع ستارة شاشة خياله. أسدل الستائر الفضيّة. أعلن انتهاء المشاهد. يقولون إن "بو داس" مضى مبكرًا قبل انتهاء العرض. بعضهم يقول: مضى إلى حيث نجوم السينما، الذين يلمعون في عتمة، يحتاجون إلى بطاريته

الدكتور يعقوب لبان

١٩ تشرين الأول ٢٠١٧

هنا، كان يرتاح على كرسيه الدكتور يعقوب لبان قبل أن يرثه ابنه المرحوم ريمون لبان، وتصير العيادة " بيت النسيم"حيث تمرّ بك الذكريات كلّما مررت من هناك.
في هذا البيت العتيق منذ العام ١٨٧٨، وبقناطره القديمة، حكايات أجيال وأجيال. قليلا ما كان يستعمل الدكتور يعقوب لبان سماعته الطبية، إذ يلمحك آتيا من بعيد، فيشخص مرضك ، عن بُعد،ويصف لك الدواء قبل أن يناولك من خزانته حنجور حبوب طبّية.
كان طبيب الفقراء، لا يكلّفهم بل يتكلّف بهم. كثيرا ما تراه سائرا في السوق القديم لزيارة مريض،وقربه من استدعاه على عجل، حاملا حقيبته، وعلى هامش الطريق ألف سؤال طبي من المارة، ومن الجالسين عند مصطبات البيوت.
في الصورة يبدو على الباب مطرقتين: الناعمة تستعملها النساء فتفتح لهن الإناث، والخشنة يستعملها الرجال فيتفتح لهم الذكور. هكذا كانت القاعدة، إلا أن باب عيادة يعقوب وريمون لبان كان مفتوحا طوال حضوره، وتمدّده عند الباب، على الكرسي المنبسط أرضا، والمصنوع من قماش.
لا سكرتيرة، لا تلفون، الكلّ يهتم بالكلّ، والجيران يخبرونك بموعد مجيء الحكيم، أو بوقت عودته من زيارة مريض.
عيادة يعقوب لبان إن حكت، لقالت في وفاء أهل الميناء البحري، لمن أحبِهم وخدمهم ،وكيف رفعوا تمثالا له في وسط ساحة، وأداروا ظهره للبيوت، وجعلوا قبلك وجهه شاطىء الميناء الحيّ ليصبح يعقوب لبان بطل حكايات الصيادين، وعمال الميناء البسطاء

جوليا نعام سميّرة

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧

في هذا الزقاق، خلف سينما رابحة، كان شيئا من عمارة الميناء البحرية. على اليسار بيتي ماري قنيزح وجرجي وعزيزة أنطون حيث العمارة القديمة: حديقة ومربّع ومنتفعات.
في صدر الزقاق بيت "سميّرة"، ذاك الذي تنبسط أمام تلك الساحة الواسعة، بالرخام الأبيض والأسود، ليقف بيت بطابقين، يسكن أحدهما آل الدبس، مع قناطر ساحرة، خشبية السقف، وببئر ماؤها منعشة، تلتفّ حولها تنكات الحبق والزهر على ألوانه.
سقط البيت زمن الحرب، فأغلق الباب،ووضعت أمامه فوق الدرج مجموعة من أوعية الزهر، ذكرى لبناء وسكان، لم تنغلق أبوابهم يومًا. كلّ أبواب بيوت الميناء القديمة كانت مفتوحة على الطريق. لا تجد جرسًا أو اسمًا تعريفيا لساكنيه. الكلّ يعرف الكلّ، بالوجه والاسم. منذ سقطت البيوت العتيقة سقطت الوجوه وسقطت الأسماء. وحدهم الطيّبون يغرفون من بئر الذكريات لتبقى الأسواق القديمة، الميناء البحرية الأولى، في القلب والبال لآتيات أحلى

صالات السينما الميناء البحري

٢٤ كانون الأول ٢٠١٧


من يريد تذكرة دخول إلى صالة سينما في الميناء؟ لقد هجرت صالات السينما الميناء البحري.كانت أيام عز : سينما "العلم" و"رابحة" و"سلوى" و"راديو" و"فيكتوريا" و"كليوباترة" و"هوليود".
كانت العروض لا تتوقف، وكنا ندخل الصالات قبل بدء عرض الفلم لنستأجر مجلات سوبرمان والوطواط ولولو وطبوش لنقرأها على أنغام صوت "أم كلثوم".
لم يكن هناك من "أبوشار"، بل كان هناك من يبيع"البليلة"، أي فول وحمص مسخن ومتروك مبللا بالماء مع الملح ليستطاب مذاقه.
كان ثمن البطاقة ثلاثة فرنكات والبلكون ب٢٥ غرشًا، وكنا نختار الصالة التي تقدّم فيلمين دفعة واحدة لنمضي وقتًا أكبر. من الطريف ذكره أن عرض الفلم يتمّ عبر تركيب "بكرتين"، وما بين "البكرتين" يأتي"فصل" يستمر لعشر دقائق تقريبا لتغيير "البكرة".
راحت صالات السينما إلى شاشات الذكريات. من غير المقبول أن تخلو مدينة بحرية أو برّية من دار سينما تعرض روائع فنّية. من يردّ لنا شاشة نتسمّر أمامها؟ نستعرض زمنًا عرفنا فيه نجومًا صارت لامعة في سماء البال، وفي خاطر كلّ من دخل صالة لينعم في عتمها بنور المعرفة وقصص الفنّ السابع الساحر

أحمد كامل صادق

١٩ كانون الأول ٢٠١٧

عاش "أحمد كامل صادق" (١٩٢١-٢٠١٥) عابرًا لحواجز الطائفية والمذهبية، إذا نشأ في بيت أهله في حي المسيحيين، في أول نزلة الزاروب المؤدي إلى سينما راديو من ساحة الترب، وناداهم من سماحة إسلامه بإخوته.
بدأ العمل فتيًّا لمساعدة أهله، فترك مدرسة التهذبيّة في الثانية عشرة من عمره، وأخذ يبيع منتوجات يدويّة للبحارة على السفن الإنكليزية الراسية في مرفأ الميناء، في ثلاثينيات القرن العشرين. طوّر عمله واستطاع أن ينشئ شركة صغيرة لتأمين مستلزمات السفن من حبال ومواد أولية وغيرها. اشتغل معه أكثر من أربعين عاملا، كما اشتغل معه عبد الباقي عيسى وعبدالله طوق وميشال قطرة وفؤاد العز ومحمد العناني.
تزوج من ليلى سعيد المبيض (١٩٣٥-١٩٨٠) وأنجبا تسعة أولاد، منهم الأطباء والمهندسون. بنى مركبًا باسم "سلام" على اسم ابنته طبيبة الأسنان، وأتقن اللغات الروسية واليونانية والفرنسية والإنكليزية.
لم يتردّد يومًا في تقديم المساعدات للمحتاجين، حتى أن صيدلية الميناء التي تواجه محله كانت تقدّم الأدوية للمقطوعين على حسابه، أيام الصيدلي "إلياس سرتان"، ولم يستثن من تبرعاته جمعية إسلامية أو مسيحية، كما في إرساله مريضًا إلى بيروت لمتابعة مداواته.
في أواخر حياته لازمه ابنه "مخلص" ليرعاه، وكان يطلب منه أن يعود إلى عمله، إلا أن الابن الذي أرسله والده إلى الجامعة الأميركية في بيروت ليصير مهندسًا أبى أن يترك من ربّاه وحيدًا، فبقي معه إلى يوم مماته، فنال الرضى، وقفل عائدًا إلى كندا، موفّقًا من الله في أعماله الدولية اليوم لأنّه لم ينهر والده يومًا، ولم يقل له أفّ، بل قال له قولا كريما.
"أحمد كامل صادق"، صادقَ البحرَ، فصار شبيهًا به وسعًا وعطاءً ومحبة، فأبحرَ فيه بعد عمر طويل، إذ بقي منتصب القامة كصارية شراع مسافر، وقد بلغ السادسة والتسعين ، راسمًا خارطة العلاقة الحميمة ما بين واقع ابن الميناء والبحر، لذا لزم قهوة أبو محمود البيروتي البحرية مع صديقيه جورج رطل وجدّ سامي الحلبي وغيرهما.
كلّ ذاكرة مالحةٍ تنزل عذبةً في الذكرى والذكرى، كما يقول جبران، ناقوس يدقُّ في عالم النسيان

جرجي أنطون

١٩ كانون الأول ٢٠١٧

كان أشبه بساعة"بيغ بن" لطول قامته ودقّته في برنامج يومه. هو "جرجي أنطون" (١٩٠٤-٢٠٠٥) حلاّق المدينة. على مدى ال ١٠٠ عام التي عاشها، كان جرجي يستيقظ باكرًا، يمشي على الشاطئ البحري يفتح محلّه، يغلقه ١٢ ظهرًا للغذاء؛ وإن لم تكن زوجته "عزيزة قطرة" (١٩٢٥-٢٠١١) قد "لحّقت" الطبخ، كان يتناول وجبته في مطعم "روادي" أو "شمشوم" ليعود إلى دكانه ثم يقفله عند السادسة مساءً، ليشرب نرجيلته حتى السادسة والنصف حيث يتناول عشاءه مع كأس ليخلد بعدها إلى النوم.
لم تبق حرب في القرن العشرين لم يشهدها، كما عاش أيام المجاعة، ورأى بعينيه الناس يتناوشون من أكوام النفايات قشر الليمون ليسدّوا جوعهم.
تعلّم جرجي فنّ الحلاقة طفلاً عند المعلّم "عبدو الأيّا"، وكان يقف حينها على طبلية ليصل إلى رأس الزبون.
لا يذكر أنّه غادر الميناء في سنواته المئة إلاّ إلى بركة السمك في البداوي ليدخن نرجيلته، كما يذكر أنّه في العام ١٩٥٥ وكان قد أنهى شرب نرجيلته في مقهى على ضفاف نهر "أبو علي" شهد قيامة النهر وطوفانه سنتها.
كان دكان المعلّم جرجي مقصد البحارة والعسكر الفرنسي والإنكليزي والطلياني، وأقام علاقات معهم، فأحضر له الطليان قوالب صبّ لصنع مغاور لعيد الميلاد وتماثيل من جفصين، ثمّ طوّر صناعته لثقل الجفصين، فانتقل إلى صناعة المغاور بالفلين الخفيف، ومدّ لها أسلاكًا كهربائية لإنارة البيوت الخشبية الصغيرة، إضافة إلى صناعته اليدوية لمرهم لمعالجة الجروح، وتركيب "كولونيا" خاصة بمحله.
خرج جرجي من السوق القديم العام ٢٠٠٥ ولم يعد. دخل ذاكرة الناس ولم يخرج. ما زالت خطى جرجي أنطون تكرج من زاروب بيته خلف سينما "رابحة"، إلى دكانه في سوق الخراب على وقع دقّات ساعة"بيغ بن" البحرية التي تلوّح للمغادرين بمناديل السّفَر والرحيل

الفنون الهندسية

١٨ كانون الأول ٢٠١٧

هنا كان البحر يقبّل عتبات البيوت القديمة حيث مربط زوارق الصيد على المداخل. هذا قبل العام١٩٢٢ يوم بدأت السلطات الفرنسية بردم البحر لإنشاء مرفأ لإنزال البضائع. هذا الحي شهادة حيّة للتراث العمراني الموجود في مدينة الميناء.
على يمين الصورة، يقوم بناء آل بطش على الردم البحري العام ١٩٣١ معتمدًا النمط الهندسي الإيطالي، أما على يسار الصورة، فتبدو الشرفات الخشبيّة وهي من الفنّ العمراني العثماني أو التركي الذي يرفع الشرفة على سواعد خشبية للدعم.
كما يأتي مباشرة بعد مبنى الشرفة الخشبية قناطر تجمع بين الفنّ البيزنطي القديم من حيث موازنة القبة فوق مربع الأعمدة والشبابيك الصغيرة وبين الإضافات العربية والمملوكية والتركية.
وبعد بنايتين تظهر دار مطرانية طرابلس الأرثوذكسية العام ١٩٢٦، الذي تحوّل إلى مقرّ للجالية اليونانية ، ويمتاز البناء بعلّوه وبأرضيته الرخامية ومستودعاته ذات القناطر الحجرية ، إضافة إلى مستودعات وبيت آل حبيب الذي تزيَّنَت واجهته بالعلم التركي الحجري لأهميته.
هذا هو الحيّ الذي يكمّل مع جاره خان التماثيلي الذي كان ينزل فيه الوافدون من البحر أو المناطق المجاورة للتجارة.هذا لسان برّي أقام حوارًا بحريًّا مع جاليات سريانية وأشورية وكلدانية وأرمنية وكريتية ويونانية وتركية وغيرها. ما زال هذا الحوار مستمرًا إلى اليوم. لا ذاكرة لأبناء الميناء دون ملح البحر للحفظ والصون والحماية

يونس خرما

١٧ كانون الأول ٢٠١٧

يونس خرما (١٩٠٢-١٩٦٣) رجل قد لا يذكره كثيرون، لكنه كان جارًا بارًا في زقاق ضيق له آلاف الحكايا. أتى"يونس" من بلدة “رحبة” في عكار ليعمل "وردياني" في جمرك الميناء، وكانت برفقته ابنته"فلوريندا". سكن معها في بيت في زقاق مقابل مدخل مبنى بلدية الميناء القديمة.
كان يميّز البيت تلك الحديقة الكبيرة الملأى بتنكاتٍ مزروعة بأنواع الورد والحشائش، إضافة للياسمين الذي كان يملأ المكان لشدّة اهتمامه مع ابنته بالزرع والرّي. كان " يونس" من الرجال الأشداء، يمشي كجبل حين يرتدي عباءته العربية متخايلا بخطى واثقة قويّة، وكان أولاد الزقاق يعتبرونه جدًّا لهم.
حين مات "يونس" وعادت ابنته إلى بلدتها" رحبة" راحت الحديقة الملوّنة معها. صار أولاد الجيران يصعدون إلى "رحبة" لقضاء أيام عندها ،حيث لأول مرة ناموا تحت عريشة السطح فيما كانوا براقبون السماء، وحيث كانت البقرات والدجاج والديوك زينة البيت وثروته.
راحت الأحلام الجميلة يوم راحت الحديقة ونضب الماء. رحم الله قادوميات قرى الطفولة وليالي الأنس الجميل في عراء الطبيعة.
"يونس" أدخل الأولاد جوف عباءته العفوية في بحر الذكريات. ما عاد حوت العمر يبلعهم، صاروا وجع الشمس في رحيل الزبد وحركة الموج

"غرابيت "والصودا

١٧ كانون الأول ٢٠١٧

توجّه "غارابيت مقدسيان" (١٩١٥-١٩٦٧) مع زوجته "غولين" (١٩٢٩ -٢٠٠١) وابنهما المولود حديثا "ميناس"إلى ذاك البيت في الحيّ العتيق ،خلف كنيسة مار جرجس، بجوار بيت الرملاوي، ما بين بيت مشحم وبيت الضاني، للاستقرار فيه بعد رحلة طويلة، وقد قدموا من أرمينيا، في أربعينيات القرن الماضي.
"غارابيت" كعادة كل العاملين في الآلات الصناعية نزل إلى الميناء بعد نزوحه، ليؤسس عائلة من أربعة صبيان: ميناس ونرسيس وأفاديس والكسي.
اشتغل "غارابيت" على اختراع وتطوير آلة تصنّع الصودا التي كان يبرع أيضًا في تلوينها، وكنا نتناولها باردة من عربته ما بين سينما "رابحة" وسينما "سلوى".أكثر ما كان يطربنا في هذا المشروب صوت الصودا وهي تكرّ من الآلة رقراقا فيه حُبيبات تعلو على سطح المشروب بغنج.
اتصلَتْ ب"غارابيت" شركات عدّة لتحصل على براءة اختراعه، لكنه كان يرفض. أحَبَّ صنعته وثابر عليها ولم يعطِ سرَّها لأحد. لم يكن هناك من برادات، كان أولاده يأتونه بنصف قالب ثلج من المعمل وراء الخان، يضعه تحت ماسورة رصاصيّة في العربة ليطلع منها مشروب الصودا باردًا.
لقد خفّفت برودة الصودا من حرقة غربته وابتعاده عن أرضه. بقي "غارابيت" على لغته قبل أن يغادر دنياه، فيما عينياه تتغرغران بشراب الصودا ليردَّ عنهما ملح الشوق إلى أرض طفولته وشبابه، لكنه لم ينجح في إطفاء غرغرة الحنين إليها ولم يستطع منع حُبيبات الوجع من أن تطفو على سطح ذكرياته

عبدو نقولا روادي

١٦ كانون الأول ٢٠١٧

عبدو نقولا روادي(١٨٩٧-١٩٦٩) ، والدته عفيفة برط ، من أوائل العاملين في فنّ الطبخ ومن أوائل أصحاب المطاعم التي تقدّم الصحن اليومي الطازج.
افتتح مطعمه بعد أن بنى مبناه إلى يسار نزلة بلدية الميناء الجديدة، من ساحة الترب العام ١٩١٨، بعد الحرب العالمية الأولى،حيث عجّ بالزبائن المقطوعين من بيت، من بسطاء وبحّارة وجنود فرنسيين، إلى جانب إطلاقه مشروع توصيل وجبة الأكل يوم الخميس إلى العائلات الكبيرة كعلم الدين وعبد الوهاب وغيرهما.
تزوج من ملكة الحايك (١٩٠٤-١٩٦٩)، وهي شقيقة نقولا الحايك( ١٩٠٥-١٩٨٢) ،صاحب اوتيل الحايك.كان قويِ البنية يمتاز بضحكته وبشاشة وجهه وقدرته على الإصغاء لهموم الناس وكان كريمًا. ساعده في عمله ابنه جورج (١٩٢٥- ٢٠٠٦) ولم يرث فنّ الطبخ عنه أحد من أولاده فأغلق المطعم العام ٢٠٠٠ بعد أن كان شهادة محلّية على الطبخ المحلّي من كبّة نيّة ومشويّة وكبة سمك وغيرها، وفي حسن الإصغاء للمقطوعين، وفي الكرم للفقراء.
تبقى عائلة روادي من أكبر العائلات عددًا في الميناء( أكثر من ٢١ سجلاً في اللوائح الانتخابية)، ينتمون إلى مذاهب متعدّدة، يجمعهم حبّ الميناء وحلاوة العيش فيه، رغم الهجرة التي طالتهم، متوزّعين بين استراليا وأميركا وغيرهما.
لم تعد لقمة مطعم روادي أو شمشوم تجمع الناس، وسط سرد حكايات البحر، والذين ماتوا في الحرب، والذين هاحروا، وغابوا، ولم يعودوا ولم يسمعوا عنهم خبرًا. تفرّق الميناويون بين لقمة وأخرى، فيما ما زالت الذكرى تجمعهم، ولقمة الحنين والشوق تلملمهم عبر المسافات

نقولا الحايك المعمرجي

١٥ كانون الأول ٢٠١٧

حين وصل نقولا الحايك المعمرجي ( ١٨٨٣-١٩٥٧) من "مرسين" مع عائلته إلى الميناء لم يخطر بباله أنه سيساهم بفنّ عمارته في بناء بيوت لعائلات الميناء كبيوت آل علم الدين.
كان نقولا الحايك المعمرجي خبيرًا بقصّ الحجر الرملي واستعماله في الأبنية الشاهقة كطريقة بنائه سينما "سلوى" في أواخر النصف الأول القرن العشرين في ساحة الترب.
حين وصل نقولا الحايك المعمرجي سكن في شارع الخراب في حوش من غرفتين وجنينة حين تزوج من هيلانة جبران كشور (١٨٩٠-١٩٦٨) النازحة أيضًا مع أهلها من "مرسين"، وأنجبا أولادًا لم يعش منهم إلا جولييت التي بقيت عزباء (١٩٢٠-٢٠٠٨) وجورج الذي تزوج من ناديا من كفرون، مشتى الحلو في سوريا، التي كانت في زيارة لأقرباء لها في الميناء، وأنجبا ٦ أولاد تزوجوا جميعا وكثر أحفادهم.
من "مرسين" و"كفرون" إلى الميناء حكايات أناس أبحروا برّا ، لألف سبب، ليساهموا في بناء مدينة بحرية بفنونهم وأذواقهم المتنوّعة ليبقى الميناء شاطىء أمان لكثيرين زمن الاضطراب والخوف

نقولا الحايك

١٤ كانون الأول ٢٠١٧

ربّما كان من أصحاب "الطربوش" الأخير في الميناء. نقولا الحايك (1905-1982) من صانعي الحركة الاقتصادية والسياحية في الميناء في مطلع القرن العشرين. أدار أوتيل "الجديد" في طرابلس قبل أن يفتتح أوتيل "نيو الجديد" مقابل مبنى الجمرك الحالي إبّان الحرب العالمية الثانية الذي دمّرته قذيفة بريطانية، حيث مات 18 شخصًا، وانتشلت والدته مريانا من بين الركام حيّة، وكتب الله لها أن تعيش إلى عمر 92 سنة بعد قيامها من بين الركام والردم.
انتقل الحاج نقولا إلى أوتيل الحايك العام 1955، وهو مبنى يعود إلى العام 1910، وكان دائرة رسمية عثمانية. تعرّف الحاج نقولا على زوجته الآتية من تنورين: مريم أنطوان جرجس حرب (1926-2016) التي ساعدته على إدارة الأوتيل ليتابع أعماله في القبّان الذي يملكه على "البوابة" لوزن الليمون الوارد من صيدا والجنوب والبقاع ليصدّر إلى سوريا والبلاد العربية.
كان الحاج نقولا يلفت النظر أيضًا، إضافة إلى طربوشه، بسيارتيه الصغيرتين: سيمكا موديل 1955 ورقمها 51959، وسيارة فيات موديل 1955 أيضًا ورقمها 55544.
راح آخر طربوش في الميناء كشراع مسافر، أخذه الأفق، وواره في محيط الذكريات. راح القبّان وابتعد أوتيل الحايك عن فقش الموج، وهو المبنى الأبيض في منتصف الصورة التي تعود إلى العام 1910، قبل بناء (أهراء) بطش العام 1931، ليصير من زبد الحكايات، وملوحة المكان الذي تبدّل وتغيّر

أولغا الرومي دبس

١٤ كانون الأول ٢٠١٧

رحلت أولغا الرومي الدبس، سيدةُ بسمة الرضى والهدوء، في ميناء تضجّ فيه الأنواء، وتزدهر عواصفه. كان هدوؤها ينمّ عن حكمة وتجربة اكتسبتهما مع زوجها ألبير في القراءة الدائمة والاطّلاع على مشاهد وأحوال هذا العالم.
أولغا وألبير كانا معًا في يومياتهما، قليلاً ما افترقا، إن التقيتَهما بادراكَ بالتحيةِ قبل أن ترميَ السلام. يلفتكَ فيهما هذا الرضى الذي لا ينعم به إلا أنقياءُ القلوب، الذين يشكرون الله في كلّ لقمة خبزٍ، وفي كلّ توفيقٍ أو صحةٍ أو نجاحٍ.
كانت أولغا من السيدات اللواتي يقلنَ الكلمة المناسبة في المقام المناسب. لم تقل يومًا كلمةً مؤذيةً في أحدٍ، بل كانت تتمنى للجميع حياةً راغدةً وتوفيقًا. كانت أمينةَ المجالس، إذ كان يفرضُ حضورُها محبةً تنقصُ كثيرين، فلا طعنَ في الظهر ، ولا كلامَ في غياب أحدٍ. علّمت ألبير أو تعلّمت منه أنّ الرّبَّ هو فاحص الكلى والقلوب، وأنّ ما عند الله ليس عند الناس، وأنّ حكمته تعالى تختلف عن حكمة البشر.
أولغا التي افتقَدَنا بها المولى تَسبَح الآن في بحرٍ من البلور، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد بعد معاناةٍ لم تتوقَّف خلال تجربتها الموجعة عن الهذيذ باسم الله، إيمانًا ورضى، بما شاءه الرّبّ لها.
سنفتقد تلك البسمة الهادئة زمن الصخب، والعفوية زمن التصنّع، والرضى زمن الجحود، ولنا في هدوء وعفويّة ورضى ألبير تعزيةٌ لقلبه مع ابنه إيلي، ولتلك التي تشبه أهلها في ودّها وعفويّتها وبسمتها العزيزة جورجيت، وللأحفاد.

ملكون

١٣ كانون الأول ٢٠١٧

أخبره والده أنّه، في العاشرة من عمره، بعد مقتل جدّه بسبب الحروب والاضطهادات العام ١٩١٦، نزح مع عمّه وعمته، من منطقة " أضنة" إلى محطة القطار في الميناء، حيث نقلوهم، مع النازحين، إلى حمام العبد حيث اغتسلوا ثم إلى الحجر الطبي في قلعة طرابلس للتأكد من خلوّهم من الأمراض السارية.
بقي والده "أرسين جرجيان" (١٩٠٦-١٩٧٩)، في يسار الصورة، في الميناء ليعمل صناعيا على الآلات في بلدية الميناء، فيما انتقل عمّه إلى بيروت ليعمل صناعيًّا هناك. استفاد "أرسين" من إحصاء ١٩٣٢ فنال الجنسيّة اللبنانية مستقرًا في الميناء البحري، يعمل على تصليح الآلات البخارية التي كانت تعمل على رفع البضائع من الزوراق ، العام ١٩٢٦، إلى أرض سقالة الحديد ،فإلى المخازن قبل توزيعها على المناطق.
نشأ "أرسين" في هذه المدينة البحرية ومات فيها. كان رفيق صبوته وشبابه من رافقه ذكريات الطفولة في "أضنة" ومنهم "كريكور أغايان"(١٨٦٠-١٩٣٠) ، على يمين الصورة، و"ملكون هوديكيان" (١٩٠٠-١٩٧١) ، في وسط الصورة، الذي كان يبيع حبّات العبيد المملحّة والساخنة. في جلساتهم كان الملح يجمعهم، وكانت سخونة الأيام تبرّد يومياتهم، فيما كان نورس البحر يراقبهم، فيجدون أنفسهم مأخوذين بالطيور المهاجرة التي تمرّ أسرابًا أسرابًا في بحث عن استقرار سالم.
من حبّات العبيد الساخن ترسم الأحداث الساخنة مصير الناس ببرودة أعصاب ، وفق خارطة مصالح وأهواء.
يضيع الوجع الإنساني، كما الوجه،في قساوة غربة العمر ، يضمّده الحنينَ إلبهما شبابُ الذاكرة في شيخوخة العمر

المعلّم محمد حموي

١٢ كانون الأول ٢٠١٧

ما زال صوت "بابور الكاز" يضجّ في بالنا، وما زال لون لهب نار رأسه يلوّن ذكرياتنا استعادة لذاك الزمان. حين كان يتعطّل "البابور" تتوقّف الحياة المنزلية يومها: لا طبخ، لا غسيل، لا نار ساخنة، فكيف ستقضي أمهاتنا نهارهنَّ في غياب التكنولوجيا؟
نحمل "البابور" بحذر، فهو إكسير الحياة، ونأخذه إلى محلِّ المعلّم محمد حموي (١٩٢٢-١٩٧٥)، في ترب الإسلام، وذلك بعد أن تستنفد الأمهات محاولات التعامل معه بإبرةٍ خاصَّةٍ به ليعالجه ويعيد إليه نبض ناره. المعلّم محمد ليس ميكانيكيًّا فحسب، بل كان متعدّد المواهب. يكفي أنّه درس الهندسة اللاسلكيَّة بالمراسلة، لكنه كان يفتخر بأن يرفع تحت اسمه جملة: "سنكري، لحّام تنك".
كان يصلح "البوابير" بدقّة، ويعرف تفاصيل صناعتها، ما قاده إلى أن يصنّع ماكينة تنظيف لها، كما كان يصنّع مادة السبيرتو يدويًّا.
كان المعلّم محمد يعمد مساءً إلى رشّ الماء أمام مدخل محلّه، كعادة أصحاب البيوت والمحالِّ في الميناء لتخفيف الغبار، ويضع كراسي مساء ليتناول أطراف الحديث مع أصدقائه، ومنهم نقولا الحاج ( توفّي ١٩٩٥) وتوفيق مروة (١٨٩٠-١٩٨٨).
هي أيام "التعتير" في الخدمات البيتية حيث لا فرن غاز، لا مايكروويف، لا برّاد، لا غسّالة، بل بساطة وعفوية وقناعة بحياة كانت الروابط العائلية أقوى، ولقاءات أفرادها متوافرة على مدار الساعة.
ما أشبه ذكرياتنا بحركة احتراق رأس البابور، إذ كما يحترق ليعيش، كذلك نحن نحترق بالذكرى لنحيا.

باسيلي روادي

١١ كانون الأول ٢٠١٧

ذات يومٍ من أيام الستينيات خرج من بين آلاف العلب المتراكمة في دكانه الصغير، ورسم بحبر أسود دائرة حول مكان "أبو كعب" في رقبتي وقال لي: "روح ارتاح بالبيت"، فيما كانت فتاة تنتظر مع أمها أن ينتزع لها ظفرها، عبر بنج موضعيّ، نتيجة تسمّم إصبعها من وخز سمكة سامة طالتها وهي تسبح.
هو باسيلي روادي (١٩٠٢-١٩٨٤)، الخبير بكل أنواع المعالجة الشعبية: خبيزة الرأس، الثعلبة، الحكاك، حبوب الجلد، البواسير، تركيب مراهم، إلى جانب إتقانه صناعة الشمع وورق مغارات عيد الميلاد.
صحيح أنّ قريبيه وهيب نيني (١٨٩٦-١٩٩٥) (والد وهيب خاله) وجورج عكاري (١٩٣٤-٢٠٠٥) (والد جورج عكاري ابن خالته) درسا الطبَّ، وصحيح أنَّ حفيدين له أخذا عنه حبَّ دراسة الطبّ: الدكتور فيليب والدكتور أنطوان (في المهجر)، فيما تخصص الحفيد الذي حمل اسمه ( باسيلي) في إدارة الأعمال ( ماستر)، إلا أن خبرته في المعالجة كانت مطلوبة عند أهل الميناء البحرية الذين يعالجون أنفسهم بمواد بحريّة محلّية، فلا عجب إن وجدت عنده ما تطلبه. يفكر للحظة، ثمّ يتوجّه بعناية إلى علبة من آلاف العلب ليحضر لك غرضك وأنت غارق في سؤالك: كيف يعرف ما تحتويه كل علبة؟
تزوج باسيلي من امرأة يونانية، وأنشأ عائلة كريمة ما زالت حتى تاريخه تسكن حيّ زقاق الطاحون معتزّةً بانتمائها إلى هذ الحيّ الذي يجمع عائلات الميناء: عبد الوهاب، مكربل، مخول، توما، معاليقي، خزامي، كراكيزي، نمنم، قودم، بندلي، نادر... في هذا الحيّ نشأ أحفاده ال١٢ ودرجوا فيه وأحبوه.
حين قرَّرت بلدية الميناء في الستينيات فتح الطريق الحالي نزولاً من ساحة الترب إلى مبنى دار البلدية الجديد، راح دكان باسيلي من مكانه لينتقل بأدويته وعلبه إلى دكانه الثاني مقابل الأول. يومها تساءل الناس: كيف وضّب باسيلي كل هذه العلب لنقلها؟ المهم انتقلت العلب، ولكن ما في داخلها بقي عصيًّا على النسيان، إذ ننقل سيرته إلى أبنائنا تعبيرًا عن التراث المحلّي الشعبي.
باسيلي روادي دخل علبة ذكرياتنا الحيّة ليحيا في البال والذاكرة.

هاربون من الحرب

١٠ كانون الأول ٢٠١٧

هم من جزر اليونان نزحوا العام ١٩٤١، هربًا من النازيِين، عبر تركيا، ثمّ إلى محطة القطار في الميناء ليستقروا في معسكرات تأويهم.
ليس في الصورة غير أعين تائهة، ضائعة، تبحث عن مستقبل قد يأتي وقد لا يأتي. حدّق في أعين الرجال والنساء والأطفال فلن تجد إلا رابطًا خفيًّا بين أرض أتوا منها ليستقرّوا في أرض مجهولة، لتنتمي أجيالهم إلى هذه الأرض لاحقًا ليصيروا منها.
انظر إلى سلال القش ، واضح من شكلها الموحّد أنّ هيئة ما عملت على استقبالهم ، فكلّ غريب لملتزمي قضية الإنسان نسيب. ولكن هل يعوّض ما في السلّة ما تركه هؤلاء وراءهم؟ بماذا كانوا يفكّرون وهم ينتقلون عبر سكّة الحديد عابرين تركيا وسوريا وصولا إلى الميناء حيث يعمل أكثر اليونانيين في تسيير أعمال محطة القطار التي تربط الميناء بتركيا وأوروبا.
وماذا بعد محطة القطار في الميناء؟ أين اتّجهوا؟
لقد شكّلت الجالية اليونانية حضورًا أساسيًّا في حياة الميناء البحرية، فطوّروا وسائل النقل البحري،كما اشتغلوا في تسيير الآلات البخارية وتصليحها. مرة ثانية تؤكّد الميناء على أنها بحر هادئ لمن كان بحره هائجًا، ومرفأ آمنًا لمن لم يعد له مرفأ ترسو فيه سفينة حياته

أبو القاسم

٩ كانون الأول ٢٠١٧

أبو القاسم" نزح مع النازحين من الديار المقدّسة إبان النكبة ١٩٤٨. تسلّى في انتظار العودة ببيع الكاز بالقنينة، والفحم بالكيلو، والبليلة (وهي قلي حبّات الحمص والفول لِتَبْتَلَّ مملَّحَة). كان دكان "أبو القاسم" متجاورًا، كما في الصورة، مع دكان ابن الحي "طانيوس نادر"(١٩٠٠-١٩٧٧) الذي عكف على إتمام تجارته في دكانه. كانت تجارتا "أبو القاسم" و"طانيوس" تدلان على إقامة كلّ منهما في يومياته، فالأول لم يتمّم مقوّمات تجارته لإيمانه بالعودة قريبًا، والثاني كانت شروشه تمتدُّ في الحيِّ المعروف بحيِّ نادر المتفرّع من حي زقاق الطاحون وحي نصف برطاشة، فجاءت تجارته متكاملة مع تجذُّره.
"أبو القاسم" واحد من كثيرين عرفنا فيهم طيب الأرض المقدسة قبل أن يلتحف تراب أرضنا، منذ أكثر من خمسين سنة، رداء يرتحل به.
نضجت حبّات الفول والحمص، ولم تنضج رحلة العودة إلى الديار. دخل "أبو القاسم" ردهة النسيان. حقيبته إلى جانبه ملأى بآلام الرحيل وحكايات الوجع والأنين. صار مفتاح بيته، في الأرض المقدَّسة، المعلَّق بسلسال حول رقبته، خزانة ذكرياته، ومفتاح رحيله وشوقه إلى تراب أرضه حيث وُلد، وحيث كان يتمنّى أن يُدفن. ما أوسع الرحم وما أضيق الحياة

حكيم الناس

٧ كانون الأول ٢٠١٧

كم "عجقت" عيادته بالمرضى، وقد لا تكون جيوبهم "معجوقة" بالمال، لكن الحكيم "العكاري" (١٩٣٤-٢٠٠٥) كان يريد أن تكون الصحة "معجوقة" بالناس الذين يقصدونه.
تبدأ حكايته حين كان يصعد من الميناء إلى المدرسة الرسمية في أميون ليعلّم فيها بعد نيله البكالوريا من مدرستي "مار إلياس" و"الفرير". لكن قريبه الدكتور وهيب نيني (١٨٩٦-١٩٩٥) حمّسه ليدرس الطب في فرنسا ودعمه ماليًّا.
انتقل"العكاري" بحرًا العام ١٩٥٤ إلى اليونان، فإلى "ليل" فرنسا ليبدأ دراسة الطب وليتخرّج من جامعة "لياج" ببلجيكا طبيبًا ومتزوجًا من بلجيكية، أنجب منها صبيين وبنتًا: اثنان اشتغلا بالطبّ وآخر بالهندسة.
عاد إلى الميناء، وعمل في مستشفى الدكتور وهيب نيني الذي رعاه، لكنه عاد واشتغل طبيبًا حكوميًّا في مستشفى طرابلس الحكومي، وافتتح عيادة قدّمها له أولاد خالته "آل قبرصية" في بنايتهم في شارع بور سعيد.
كان "العكاري" حكيم الفقراء الذين لا يملكون ثمن دواء، فكان ينتقل إلى بيوتهم بإحدى دراجاته البخارية الثلاث، وكان مرضاه من عكار يصطحبون له عند معاينته لهم صناديق من التفاح، أوالبرتقال، أو سلال البيض، أو أوعية من العسل.
من بيت أبيه عبدالله المعمرجي (توفّي في الستينيات) الذي بناه بيديه، بقناطره الرائعة ونوافذه الجميلة والشاهد إلى اليوم على قدرته الفنّية في زقاق متفرّع من شارع البلدية، خرج "جورج عكاري" من السوق القديم إلى حدود الدنيا ليعود إلى أهل هذا الميناء الساحر، الذي أحبّ برّه وبحره لدرجة أنه كاد يغرق في شبابه لدى عودته سباحة من جزيرة النخل، فأنقده مركب صيد في آخر لحظة، لذلك أحبَّ الصيادين والبحارة الذين أحبوه، فكان لنسيج الميناء الأهلي وقايةً وصحةً، مؤمنًا بأنَّ جمال الميناء قائمٌ على بساطة العيش، ورغد الحياة، و"عجقة" المحبة في قلوب أبنائه

مبنى آل بطش

٦ كانون الأول ٢٠١٧

هذا مبنى بناه مهندس ايطالي على النمط الهندسي الطلياني .منذ أن بدأ دفن الشاطىء في الميناء العام ١٩٢٦ لمدّ سقالات الخشب والحديد لإفراغ بضائع السفن في "شالونات" وإنزالها على السقالة، والأعمال قائمة لقيام مخازن ومكاتب على الواجهة البحرية.
قام هذا المبنى ، العام ١٩٣٠، وفق اتقاقيات مع السلطات لاستكمال بناء أهراءات وهنغارات لخزن البضائع الواردة من البحر. بنى نقولا بطش (١٨٨٤-١٩٧٨) هذا المبنى ليكون مخازن اهراءات للقمح والشعير الذي كان يستوردها عبر السفن.وكان أول سقف يبنى بالباطون فيما كانت السقوفيات يومها من خشب قطراني مدعّمة بمواد لمنع النشش والرطوبة.
ما يميّز هذا البناء أيضًا رخام أرض الشرفات الإيطالي، وكذلك رخام الدرج الداخلي الذي يعتبر تحفة فنية. يعتبر آل بطش من الرواد الأوائل في استيراد الرخام ونشر الثقافة المعمارية و الفن الإيطالى الممثل بالمنحوتات الرخامية في تشيد المدافن المسيحية.
ثم بني الطابق الأول حوالي العام ١٩٤٠ لسكن آل بطش الذي فيما بعد أصبح سابا الابن (١٩٣٠-٢٠١٧) قنصلا لدولة إيطاليا ليرفرف العلم الإيطالي في الحيّ العتيق إلى جانب العلم اليوناني مع القنصل ارستو كركس(١٩٣٢-٢٠٠٧ )،والعلم الهولندي مع القنصل جورج رطل( ١٩٢٠-٢٠٠٢) في الحيّ نفسه.
في هذا الحيّ كان البحر مرآبًا لعشرات الزوارق قبل أن تبدأ الحركة الاقتصادية البحرية بزخم لتترك في هذه الأزقة القديمة جاليات ايطالية وأرمنية ويونانية وأشورية وسريانية وأكرات وغيرهم، في احتضان لفنونها وهندستها، لتتميز الميناء بنسيج أهلها، وبهندسة أبنيتها كمنمنمات تشبه ذكرياتها التي تأتي كليالي الأنس على شاطىء البحر

باقٍ كما هو

٥ كانون الأول ٢٠١٧

باقٍ كما هو منذ أبعدوا عنه فقش الموج وارتفعت حواليه الشاهقات.
باقٍ بقنطرته التي لو حكت لفاضت حكايات تاريخ الميناء كما تفيض حجارة بنائه البحرية بالرطوبة والماء المالح للذكريات الحلوة.
عاشت عائلات هنا، وفي الأصل سكنه ميخائيل مطرق(١٨٨٩-١٩٥٠تقريبا) وعائلته قبل أن يبيعه للمرحومة جوليا نعام ، ويبقى ساكنا فيه، على الرغم من سفره إلى كوبا حيث مات أخوه وعودته لينتقل إلى آخرين.هنا كانت تقام حفلات الكرنفال (الزامبو) ، وهنا حلّقت رفوف الحمام مع عبدالله (١٩١٣-٢٠٠٢) وأغاني البحر ، وهنا كان لطف الله(١٩٢٠-١٩٩٨) يحمّص حبّات العبيد ، وكان يأتي بها نيئة من اللاذقية، قبل أن تلتهمها الشفاه ساخنة كما حرارة تلك الأيام.
كان هذه البيت ساحة لقاء الحارة قبل أن يسحب البحر وسحره آل بطش وآل المصوّر وغيرهم إلى استراليا. أهل هذه الحارة كبئر ماء هذا المنزل العربي العتيق ، بقيت ماؤها في قعرها، فلما حفروا لتقوم البنايات الشاهقة تسرّب الماء المالح ، فذاق أهل البحر طعم الغربة، وكان ما كان في ذلك الزمان والمكان

الإعصار

٤ كانون الأول ٢٠١٧

هذا هو " الإعصار" للفنان الطرابلسي ماريو سابا (١٩٦٢ -٢٠١١) الذي أنتجه العام ١٩٩٥ (بالتعاون مع نار كومبيوتر)من سبعين قطعة كومبيوتر وأربعين كرسيًّا، كما أنَّ جسم الكومبيوتر، أحشاءه، أطراف الكراسي والأشرطة والأسلاك كلها معقودة على دوامة ملتوية من الإسمنت الرمادي، ترتفع سبعة أمتار في وجه البحر.
أما لماذا اختار ماريو سابا هذا المكان لرفع "برج بابل المعلومات"؟ فبكلّ بساطة لأنّ الواقع المناخي يحكي أنَّ هنا بوابة مرور الإعصار الطبيعي الى داخل الميناء البحرية، وهو معبر الهواء.هنا في اليوم العاصف يخرج من عرض البحر «إعصار» يقترب من الشاطئ، فيهرع الصيادون لسحب مراكبهم الصغيرة لتبقى سالمة.
هذه منطقة فوق الريح التي تجنّ في الشتاء. راحت أحلام ماريو سابا إلى فوق الريح فيما بقايا الكومبيوترات تواجه الريح والملوحة، لتبقى شاهدة لرمز عن المستقبل الآتي، في مواجهة الذكريات

بيوت الميناء في القرن الثامن عشر

٣ كانون الأول ٢٠١٧


كيف كانت بيوت الميناء في القرن الثامن عشز؟ بالعودة إلى سجلات المحكمة الشرعية بطرابلس، ومن كتابات الدكتورة غنى مراد نرى أنّ البيوت في خراب "الأسكلة"، ( تغيّر اسمها العام ١٩٧٩م. إلى الميناء )، وحول مقابر المسلمين، أي ترب الإسلام، بين الأعوام ١٧٢٤م. و١٧٩٠م. تبدو مؤلفة، كما في عقود البيع وقتها من:
"متخت، فسحة، أشجار توت، أصل رمّان، أصل تين، حاكورة بئر ماء، مطبخ، أدب خانة أو كنيف ( تواليت)، منافع، مرافق".
ومن أسماء البائعين نقع على: "نجاد وفاهمة البرباري،داوود عطالله الشهير بالذنقري،ميخائيل المعماري،ميخائيل وعازار جرجس ، سابا حميصي،عمر الزبال،يوسف وجرجي،نقولا مسامير".
من أسماء الشارين: "فرحا الدالي،ميخائيل(؟) ،عطالله عطالله،عبد الرحمن رمضان،نعمة يحنا( يوحنا) المعمار،ميخائيل(؟)، إلياس(؟)،حنا(؟)، حنة(؟)".
سقط طريق الحرير بين الميناء والصين يوم سقطت أشجار التوت، وراح الرمّان مع "فرفطة" فصول العمر، أما التين فخرج كالليمون من الفيحاء ولم يعد كما وجوه الراحلين والمهاجرين وضياع الأسماء

مقام الشيخ عفان

٢ كانون الأول ٢٠١٧

هنا. مقام الشيخ عفّان ، هنا علّق صيادو الميناء آمالهم وانكساراتهم قبل خروجهم إلى البحر طلبًا للرزق. هنا أضاءت عائلات شموعًا نذرًا لعودةٍ سالمةٍ زمن الأعاصير و"البحر القايم" . مقام الشيخ عفّان ،رضي الله عنه، ما زال مرسى آمنًا للمبحرين، وملجأ للقلوب الولهى المضطربة .
يذكر صاحبي أنه عندما كان صغيرًا كانت جدّته ترسله الى مقام الشيخ عفان ليضع صحن رز بحليب، أو أي طبخة لونها ابيض، وكان يسألها لماذا فهو ميت؟
وكان جوابها: عندما يأكلها الفقير من مقامه فكأنّه أكل هو.
هنا، كم اشتعلت شموع تلوّت على إيقاع وجع الصيادين وتعبهم، يوم كان البحر بحرًا يعجّ بالإسفنج والتوتياء وأصناف السمك المتنوّعة قبيل جفاف القاع الذي كنا نرى أعماقه قبل أن "يتعوكر" الماء ويفسد ملح البحر. فبماذا نملّح اليوم ؟

"الخوري" بين لبنان واليونان واستراليا

٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٧


توفي ابن عائلة " الخوري" في استراليا العام ٢٠١٠، في غربة امتدت لخمسين سنة، منذ الستينيات. فعمدت ابنته إلى لململة ذكرياته وفلفشة أوراقه العتيقة، في جوارير بيته الاسترالي، لتقع على أوراق بلغة غريبة لم تفهم منها شيئا. فرمت ما رمت، وضبضبت ما ضبضبت، وخطر لها أن تهانف أبناء اختهافي الميناء التي عاش فيها أبوها طفولته وشبابه، واتفقت معهم على إرسال هذه الأوراق لهم ذكرى لجدّهم الذي أتى الميناء في مطلع القرن العشرين ، إذ نزحت عائلته من انطاكية العام ١٩٣١ إلى ميناء طرابلس وكان طفلا.
والمفارقة أنّ أحفاده في الميناء اكتشفوا حبن استلموا هذه الأوراق أنها أوراق ثبوتية تؤكد حصوله على الجنسية اليونانية تقديرا لخدمته العسكرية ، في شبابه، بالجيش اليوناني العام ١٩٤٥ في هذا الشرق.
يعكف حاليا أحفاده على استكمال طلباتهم للحصول على الجنسية اليونانية، ويعيدون عدم اهتمام جدهم أو أحفاده في استراليا بتفاصيل متابعة هذا الموضوع وإهماله إلى حصولهم منذ خمسين سنة على الجنسية الاسترالية. رحل النازح من انطاكية منذ مئة سنة ، عبر البرّ، إلى الميناء فإلى استراليا، عبر البحر، في مغامرة يجب تسجيلها لتوزِع أولاد المغترب إلى جنسيات مختلفة : السورية واللبنانية والاسترالية واليونانية. هذا قدر النازحين ما بين الشتات والاستقرار وضياع الأنساب والجذور سيرًا على موج البحر " الي خلفك حبايبنا

المتقدم في الكهنة غريغوريوس موسى

٢٦ تشرين الثاني ٢٠١٧


متقدّمٌ لا يتقدّمُ على أحدٍ لتواضعِهِ.راعٍ يعرفُ خِرَافَهُ بأسمائِها. حارسٌ لتراثِ المدينةِ البحرية ولبسطائها.عاصر كوكبة من كبار وأخذ منهم: الأب وهبه الله معاز (١٨٩١-١٩٧٧)والمطرانان جورج خضر وبولس بندلي(١٩٢٩-٢٠٠٨)، وتخرّج من خبرته من تخرّج من مطارنة وأساقفة وكهنة وطلاب لاهوت، وبقي على عهده في محبته التي تسع الجميع وتتسع لتسامح كثيرين.
الأب غريغوريوس موسى سكن خمسين سنة، منذ العام ١٩٦٥ وما زال، في الميناء مجاورًا عائلات، من مختلف النسيج الأهلي،بمودّة ورضى. تقاسم معها رغيف الخبز زمن الحرب وزمن السلم.كان لها أبا وكانت له أحبة، وما زالت، وهو باق ٍعلى عهده في محبته التي تسع الجميع وتتسع لتسامح كثيرين.
الأب غريغوريوس موسى الآتي في الستينيات إلى بحر الميناء من زيتون قلحات الكورة يعرف أن من تعامل مع الزيتون، أو "سمك البرّ"، قادر على التعامل مع سمك البحر. فخرج ليصطاد الناس ويقودهم إلى معارج الإيمان. وعلى الرغم من أن الصيادين لا ينشدون في رحلة صيدهم لكي لا تهرب الأسماك، كان غريغوريوس يرفع صوته بالترتيل مسبحًا الله الذي لا يحمد سواه ، فيجذب المؤمنين ويصرفهم عنه إلى وجه سيده، وهو باق ٍعلى عهده في محبته التي تسع الجميع وتتسع لتسامح كثيرين.
الأب غريغوريوس موسى علامة رجاء من علامات طفولتنا وشبابنا، يسكن في يومياتنا وفي رغبة أولاد الميناء المغتربين في السؤال عنه، إذ يلاقيهم مرحبا بهم بالاسم وتبادل الذكريات منذ أنزلهم أطفالا جرن المعمودية ليقيمهم رجالا في الدنيا والإيمان. غريغوريوس موسى ابق على عهدك في محبتك التي تسع الجميع وتتسع لتسامح كثيرين

إلى إبني زياد

٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


في عيد ميلادك أستعيد لون الضوء الأزرق أعلى باب غرفة الولادة في المستشفى، وكان جدّك عبدالله (١٩٢١-٢٠١٠)واثقًا أنّ المولود الجديد سيكون صبيًّا قبل ظهور الآلات العارفة بجنس الجنين.
ما زلت أذكر العادات والتقاليد يومها: "كبّلناك" بالملفة/القماش، وقبل عبورك عتبة البيت كسرنا رغيف خبز فوق رأسك شكرا لله على نعمه، وليتبارك البيت .
لم نعرف بادىء الأمر كيف نحمّمك لولا تدريبًا سريعًا تلقيناه على يد الجارّة أوديت شخاشيرو دبس ( ١٩٢٦-١٩٩٧ )، يوم كان الجار للجار قبل الدار، كما اصطحبت معها قنينة ماء زهر لنضع قطرات منها لك في الحليب صحة وعافية.
أذكر حين دارت صحون المغلي، وهو يؤكل باردًا،على المهنئين، انتبهنا على أن لا نجلس بالخطأ على قطعة من ثيابك، خوفًا، كما يُقال، من أن لا تطول قامتك.
وأذكر تقليدًا آخر عند وقوع السرّة؛ "عليك رميها في البحر". انتظرنا وقوعها وحملناها بقماشة، وذهبت لأرميها من فوق سقالة الحديد، ففوجئت بكميات الطمر لإنشاء الكورنيش البحري، العام ١٩٨٥، فسرت فوق الرمال وأكوام الحجارة طويلا وبصعوبة، لكني تمكّنت أخيرًا من رميها متمنيا لك الصحة والعمر.
من هذه العادات والتقاليد أتيت يا "زياد"، في زمن صارت هذه من الذكريات. هنيئا لكم بزمنكم السعيد، وهنيئا لنا بما عشناه مخضرمين بين عصرين، بين ما حمّلنا إياه الأجداد والآباء وبين ما نستبدله اليوم بما يحمّلنا إياه الاولاد. إلى سنين عديدة بالصحة والعافية والتوفيق والسعادة، مع أخيك جوني، حفظكما الله، الذي بدأ ينتظر بالتأكيد مضمون ما سأكتب له في عيد ميلاده الآتي

زياد غالب

٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


هي بناية من توقيع المهندس زياد غالب في إطلالة على الهندسة المستقبلية للأبنية الجديدة في الأحياء القديمة. هنا مدخل حي نصف برطاشة أو زقاق الطاحون. هنا بيت عبد الوهاب، من كرام عائلات الميناء وحيث سكنت العائلات الميناوية بتواد وسلام.
لربما أنزْلَ زياد ألوان لوحات أبيه محمد على الباطون الجامد، فجعله ناطقًا بجمالية، إن عبّرت،فإنّما تعبّر عن محبة المهندس زياد، كأبيه وعائلته،لأحياء الميناء القديمة وحرصه على التجديد، بعيدًا عن العمل التجاري الفاقع، فيما عينه على التراث، وعلى صون النسيج الأهلي العمراني في الأزقة التي درجنا جميعًا فيها من أجل الحفاظ على هوية الميناء البحرية قبل هبوب عواصف الرحيل والهجرة و... النسيان

أبواب الميناء القديمة

٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


كل أبواب الميناء القديمة من الآثار الباقية لطرابلس البحرية بعد أن دكّها السلطان قلاوون ١٢٨٩م بعد أن أخرج الفرنجة منها. هذه الأبواب تعود أقلّه إلى أكثر من ٦٠٠ سنة، والدليل هي النقوش الموجودة على الخشب، إضافة إلى السقوف الخشبية " الكرايش"، وقد بقي منها في بعض البيوت العتيقة تأكيدًا على طريقة البناء التي اشتغل فيها ساكنو الميناء الأوائل.
لا ننسى أن من نزل في سوق الخراب في الميناء القديمة منذ القرن الخامس عشر ، هم الصيادون والعاملون في المهن البحرية، لذا اشتغلوا وفق مفاهيمهم البسيطة في ترميم ما كان مهدّمًا، ووفق الحاجة لمتطلبات السكن السريع، قبل أن يبدأ الاستقرار في الميناء مع انطلاق الحركة التجارية البحرية منذ القرن السادس عشر، وموجة فتح الوكالات البحرية ، واعتماد قناصل أوروبيين.
هذه الأبواب و"الكرايش" شهادة على حقبة تاريخية عمرانية من المطلوب المحافطة عليها لتبقى الجذور

ماهر الخطيب

٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


غريب أمر البيوت القديمة في المدن البحرية، تسقط بحجة التوسّع العمراني ويخرج منها أبناؤها أو من ارتضاها سكنا له، كما حدث مع رئيس مخفر الميناء في أربعينيات القرن الماضي.
"ماهر الخطيب " (١٩١٨-٢٠٠١) أتى من الشوف من شحيم، و كان اول رئيس مخفر للميناء في بداية الاستقلال و قبله بمدة ، وللمصادفة يسكن حفيده الآن( الذي أفادنا مشكورًا بهذه المعلومات والصورة ذكرى طيبة لجدّه)، في البناية الجديدة التي قامت مكان البيت القديم الذي كان آية عمرانية بجماله و بسلّمه الكبير ...
المنزل لم يعد موجودًا، كذلك أهله في شارع بور سعيد.من هذا المنزل خرج "مهيب" رئيس ديوان المرفأ، و "سمير" رئيس دائرة نفوس طرابلس والعقيد "رضوان"و"حسيب" و"أحمد"، و"سامية"و"سميرة" وهم من خريجي مدرسة مار إلياس. على الرغم من تمركز سكن أولاد "ماهر" في مناطق مختلقة من لبنان، إلا أنّ شوقهم للميناء يدفعهم لزيارتها دائمًا .....
كان رئيس المخفر "ماهر "معروفًا بحزمه في تطبيق القانون، حتى إنه أوقف أولاده مرة لمشاركتهم في تظاهرة مع العمال، كما نظّم محضر ضبط باسمه لما وجد أن بيته مضاء ليلاً، في مخالفة قرار منع اضاءة المنازل بسبب غارات الطيران في الحرب العالمية الثانية. لقد عرفت الميناء في عهد رئاسته للمخفر ، عهدًا مثمرًا من الأمن و الأمان، ويتداول كبار السنّ مواقفه النظاميّة.
ما هذا الميناء الساحر ؟ كلّهم يأتون الميناء فتلفحهم شمسه، فيبقون هنا، يصيرون من تاريخ المدينة. يدخلون ملحها مواجهين الأعاصير ولا تقدر عليهم.

الصورة: أمام مخفر الميناء القديم - أربعينيات القرن الماضي

ملكة واسكندر

١٥ تشرين الثاني ٢٠١٧


من إنطاكية في العام ١٩٣٩ أتوا إلى الميناء في طريقهم إلى بيروت، وسط أزمات تهجير وبحث عن فرص الحياة. كان الميناء يعجُّ بالجاليات الوافدة برًّا وبحرًا. أغلبهم بقي في الميناء مسحورًا بالرزق البحري، والعمل في المرفأ التجاري، أو في سكة الحديد.
"ملكة" المولودة في إنطاكية العام ١٩٢٨ جاءت مع عائلتها إلى الميناء العام ١٩٣٩ لتعبر إلى بيروت، لكن الوالد وجد عملا في الخياطة، في محل بنزلة البلدية، قبل فتح الطريق.
استأجر والدها بيتا للسكن فيه، وعرض غرفة مستقلة في بيته للإيجار.أتى رجل يوناني اسمه "اسكندر" ، وأستأجر الغرفة، واشترى قلب ملكة فملكته العام ١٩٤٧. كان العريس اليوناني يعمل في سكة الحديد، لكنه اضطر إلى تغيير اسم عائلته، لأن أخيه كان يعمل في السكة ، ولا يسمح بالعمل في المحطة لقريبين.
غريبة المصادفات، "اسكندر" اليوناني اشتغل في محطة سكة الحديد ليبقى على اتصال بالوطن، و"ملكة" الإنطاكية، بعد وفاة زوجها العام ١٩٥٨، اشتغلت في سنترال الميناء لتبقى متّصلة بالأرض التي منها أتت."اسكندر"و"ملكة" جمعتهما الغربة ووحدّهما ملح الميناء في مواجهة أعاصير العمر.
ما زالت "ملكة" مليكة على عرش ذكرياتها، ولا تملك إلا صورة لعائلتها في انطاكية العام ١٩٣٢. أحبّت الميناء وهي تعيش فيه الآن، أطال الله عمرها، تسترجع مجد إنطاكية في وجوه مالحة في ميناء عمّرته جاليات متنوّعة المشارب ، يجمعهم حبّ الميناء وحلاوة الذكريات

نزلة البلدية

١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


هذه النزلة لم تكن في الستينيات هكذا باتجاه القصر البلدي الجديد.
هنا كان بناء ضخم تلفّ عن يمينه السيارات والمارّة باتجاه فرن الباشا أنور كبارة ومحل عبدو الأيّا، لتخرج إلى الشارع العام. في الستينيات جرى خرق البناء الكبير في منتصفه، وفتحت الطريق مباشرة نزولا باتجاه سقالة الحديد. وما تبقّى من آثار البيت الكبير جرى دعمه بعواميد باطونية خوفًا من سقوطه ومن سقوط ذكرياتنا كي لا ننسى باسيل روادي، وأبو سعيد، وميلاد نادر، واسحق وجورج حنانيا، واللحام إلياس فرح، والعبسي، وسمانة الرملاوي، والحلاق جرجي طرطوسي، ومحل خضار أديب كبارة ومحمود وصحفه ومجلاته، وغيرهم.

كنيسة مار يعقوب -٢

١٢ تشرين الثاني ٢٠١٧


حين تمّ نقل المقابر من "ترب المسيحية" إلى المقابر الجديدة العام ١٨٧٥م، تراصفت المدافن العائلية قرب الكنيسة وجوارها التي بناها سمعان كرم المطلّة على الطريق الرئيسة وقتها، إذ كان سورها الغربي الأخير عند فقش البحر.
وجرت العادة، في ذلك الزمان، أنه إذا مات غريب ، مارًا بالصدفة في المدينة،كان يدفن في مقبرة مخصّصة للغرباء، موقعها في آخر أرض المدافن قرب السور الغربي.هذا كان في العام ١٨٧٥م، وبقيت هذه المقبرة للغرباء المقطوعين معزولة في آخر أرض المدافن، بعيدة عن المدخل الرئيس للمقبرة الجديدة.
ودارت الأيام، وقام الكورنيش البحري العام ١٩٨٥، بعد مئة وعشر سنوات من إنشاء المقبرة، وابتعد البحر عن السور الغربي، ففتح المسؤولون بابًا رئيسًا على الكورنيش، وصار المدخل الأساس للمدافن، وصارت مقبرة الغرباء المقبرة الأولى عند الدخول. تثبت الميناء، في أزقتها وشوارعها، عبر تاريخها وتطوّر جغرافيتها، أنّها تحتضن أبناءها وأغرابه

تقاعد نبيل الديك

١٢ تشرين الثاني ٢٠١٧


قريبي "نبيل الديك" صار في عصر التقاعد، وذلك في عصر لم يعد يعترف بنظرية "التقاعد" الشاملة. فمن اكتنز معرفة وخبرة تتسابق إليه إدارات المدارس والجامعات مفتخرة بما أعطى، وبما يمكنه أن يعطي بعد عصارة فكر، ومدى عطاء علمي.
تأتي كلمة"تقاعد" من "قعد"، وهنا طُلِبَ القعود بعد عمل. قد يصحّ هذا في زمن غير زمننا، عصر إطالة العمر، ومعالجة القضايا الصحيّة. كثيرون يطلبون "التقاعد" قبل قعوده في الرابعة والستين، وكثيرون يقصدهم طلبة العلم ل"يقعدوا" في حضرتهم ليستفيدوا. ربما يجب أن يكون الأمر، في النهاية، اختيارًا، لأنّ الإبداع لا يحدّه عمر ولا توقفه سنّ.
قام "نبيل الديك" صباح هذا اليوم الأحد، في أول يومٍ من "تقاعده" الوظيفي، ولم يقعد، لأنه لم ينكر يومًا استقامة في تعليمه، لا قبل صياح الديك ولا بعده. كان خلوقًا في علمه وسلوكه، فمحبته وهدوؤه ومبادئه صفات تميّز بها في مسيرة تعليمه، وستستمر حتما، فالعلم لا يتقاعد، والعمل لا يستريح. نبيل الديك ومن سبقه من "المتقاعدين"، يبقون في ذاكره طلابهم نبعًا لا ينضب من العطاء، ووشمًا في مسيرة نهل المعرفة والعلم. فإلى سنين عديدة لا "قعودَ" فيها ولا من يحزنون

بيت أديب وإبراهيم باشا

١٢ تشرين الثاني ٢٠١٧


في هذا البيت العتيق الأثري، الذي تعود ملكيته إلى عائلة أديب الميناوية، الواقع قرب "ترب الإسلام"، خلف مكتب المختار سالم عرفات غندور،مقابل سبيل الماء، نزل ابراهيم باشا المصري(١٧٨٩-١٨٤٨م) لما جاء بجيوشه المصرية إلى طرابلس والميناء العام ١٨٣٣ م، بحسب ما تقول الروايات الشفوية المتناقلة والمتواترة.
هذا ويختلط الأمر بينه وبين الوزير إبراهيم باشا الملقّب بالكردي الذي قصده أرثوذكس الميناء، أثناء حضوره في طرابلس، الذي بسعيه أحضر لهم فرمان الكنيسة للبدء بالصلاة في كنيستهم مار جرجس في ذلك العام بعد أن كانوا قد استحصلوا على فرمان البناء من الدولة العلّية العثمانية العام ١٧٣٢م.
إنّ الشكل الهندسي لهذا البيت يؤكد على غنى البيوت في الميناء القديمة بعتبات الأبواب وبالمشربيات وبالفنون المتنوّعة، بعدما دخلت تعديلات عديدة على البناء الأساسي بحسب نوع استعماله عبر السنين. تبقى بيوت الميناء في الأزقة القديمة معبرًا للتاريخ إن حكى

كنيسة مار يعقوب

١١ تشرين الثاني ٢٠١٧


هذه كنيسة مار يعقوب للروم الأرثوذكس. بناها سمعان كرم (١٨٢٦-١٨٨٨م) في العام ١٨٧٢م عن نفس المرحوم أبيه يعقوب كرم، ووهب الأرض لنقل المدافن من"ترب المسيحيين" العام ١٨٧٢ م إلى هنا. كما عادت الطائفة الإسلامية ونقلت مقابرها إلى هذه المنطقة من "ترب الإسلام"، شهادة وتأكيدًا من أهل الميناء، بمختلف انتماءاتهم، على أنهم باقون واحدًا في الحياة والموت.هذه هي الميناء بنسيجها الأهلي الذي تتميّز به.
هذه الكنيسة رغم أنها خاصة بالمدافن ، ونادرًا ما تقام فيها مناسبات، إلا أن عرسًا واحدًا جرى فيها، لعروس أرادت أن يكون عرسها في هذه الكنيسة، إيمانا منها بأن أمّها المتوفاة ، بغيابها الحاضر، ستشعر بنبض سعادتها. من عنا فإن كان الإيمان بحياة الآخرين فينا، رغم رحيلهم، في مسرانا ومجرانا في هذه الدنيا يصنع العجائب، كذلك الميناء تستعيد تحيا ذكرياتها الحلوة في أيامها المرّة وبالعكس

الحي القديم

٩ تشرين الثاني ٢٠١٧


كلّما مررت في هذه الأحياءأسمع أصواتهن وأسئلتهن عن الأهل والخلاّن. هنا كنّ سيدات الحيّ العتيق مع نرجيلاتهن، يحرقن تبغها فيما يحرقن أيامهن مستذكرات أويقات انتقالهن من انطاكية وغيرها من قرى لواء الاسكندرون إلى الميناء.
رزق الله على ذلك الزمان حين كانت صالونات البيوت هي الأزقة النظيفة الجميلة، حيث تلتقي الوجوه كلّها. هنا يسألونك عن الصحة وتطمئن على أهل حارتك ومدينتك.
رحل الناس وبقيت الحارات تسأل عن الذين سكنوها .
لو تحكي الحجارة لحكت قصصا لا تنتهي . لذا يكتفي الحجر البحري عندنا بإخراج دمعه تذكرًا لمن كان هنا. تذكرت جارة طفولتنا وسكننا التي كانت مُحِبّة للجميع، لم تنسَ أحدًا. كلّما مرّ أحدهم ، توقّف مطمئنا على صحتها. كانت تسأل عن الكبير والصغير. كان ولداي طفلين حين كنت أدرج بهما في هذه الأزقة الأليفة، كي لا ييتلعهما تنين الشوارع العريضة الغربية، وأذكر لمّا عرّفتهما بها، قبّلتهما، لكن صوت كركرة النرجيلة لفتهما، فغابت عنهما كركرة أيام ذكرياتها، ما بين تراب إنطاكية وموج بلدة الميناء

أبو سليم الرملاوي

٩ تشرين الثاني ٢٠١٧


أبو سليم الرملاوي" (١٩٠٥-١٩٨٢)، ما زال يطلع من بيته في الزقاق المتعرّج خلف كنيسة مار جرجس. جاءت أصوله، ربّما، من بلدة"الرملة" في فلسطين ونزلت الميناء.أنشأ أبو سليم في هذا البيت العتيق عائلة من خمس بنات وشاب. اشتغل أبو سليم مع ابنه "سليم"في تجارة البناء، وكان من عدّة الشغل عربة تجرها البغال، ثم وصل الطنبر الذي كان يجوب الأزقة ناقلاً مواد البناء.
تميّز "أبو سليم" بلباسه اللبناني، الشروال وتوابعه، ولم يتخل عنه.كان مركز عمله في أول شارع بلدية الميناء القديمة، وكان عبارة عن مخزن، وخلفه دارة استعملها اسطبلا للبغال مع غرف لإقامة العمال.تمسّك "أبو سليم" بشرواله رغم تخلي رفاقه عن الشروال معتمدين لبس الطربوش. من "الرملة" في فلسطين إلى الميناء، رسم " أبو سليم" خطًا رمليا بينهما، لم تقدر فصول الزمن على محوه. رسم "أبو سليم"بحبّات الرمل حاضره ومستقبل ابنه وخطوات حفيد له. لقد خربط الموت خارطة عمل "أبو سليم"، إذ بعد موته، سقط حفيده، فاكتفى "سليم"بالحفاظ على الإرث"الرملي"، وبرحيله العام ٢٠١٧ هبّت العاصفة، ومحت آثار "رمل الطريق"، وضاع الأصل والفصل والصوت والغناء ما بين، ربّما، حبّات "الرملة"وموج "الميناء

جيوفاني تيتو

٧ تشرين الثاني ٢٠١٧


جاء "جيوفاني" (١٩١٥-١٩٨٣)، مع والده "سافينو" من ايطاليا إلى المينا، بعد استلام أبيه وظيفته كرئيس لمحطة سكة الحديد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. لم يخطر في بال الطفل "جيوفاني" أنّ الميناء ستكون موطنه الجديد، كما احتضنت الميناء بسبب تداعيات الحرب، ونتيجة أيضا للحركة البحرية، جاليات إيطالية ويونانية وأرمنية وأشورية وكلدانية وسريانية والهاربين من جزيرة كريت أي الأكرات نتيجة الحرب اليونانية/ التركية. فكان الثغر البحري، الأسكلة أو الميناء، منصّة لتوزِّعهم في أنحاء العالم.
تزوج الرجل الإيطالي من المرأة اليونانية، وسكنا في عمق زواريب الميناء. لم تغب إيطاليا عن قلبه وعينيه، فسمّى ابنه "سافينو" لكنه توفّي في السادسة من عمره، كأنّ القدر يريد أن يقطع له صرّة الرحم مع إيطاليا. ثم رزقه الله ثلاث فتيات أطلق عليهن أسماء إيطالية تأكيدًا للجذور. رحل "جيوفاني" العام ١٩٨٣ ولم يكحّل عينيه بالعودة إلى أرض مولده إيطاليا. لكنّ الميناء لم تبخل عليه بالودّ، ولم يقبل هو أن يكون الثغر البحري إلا راحة بال دون غربة ووجع. ثم لحقته زوجته اليونانية العام ٢٠١٦ التي كانت من الخياطات المعروفات. اليوم بعدما نأى جيوفاني عن جذوره الإيطالية، وزوجته عن جذورها اليونانية، تقوم بناته مع عوائلهم بالبحث عن جذور والدهم في ايطاليا ، وعن أقرباء لهم لم يتمكّن جيوفاني من التواصل معهم، لأن أزقة الميناء سحرته،وصيّرته حلمٌا بحريًّا تمدّد موجة بين الشطآن، موجة لم تقبّل رمل شاطئ ايطاليا أو اليونان

"لولو" و"طالب"

٦ تشرين الثاني ٢٠١٧


من منا لا يذكر دكان "لولو أنطون" (١٨٨٩- ١٩٧٤)، وقربه مباشرة دكان الإسكافي "طالب دهان" (١٩٠٩- ١٩٧٩). كنا نشتري من دكان "لولو" الأشياء الصغيرة الملوّنة المرتاحة في واجهات من زجاج. وكنا إلى دكان المعلم "طالب"، الذي لم يكن يتسع إلا لكرسيه الصغير وماكنة درز الأحذية ، نلجأ إلى ترميم ما تمزّق من حقائبنا المدرسيّة. بين دكان "لولو"، ودكان المعلم "طالب" مسيرة ذكريات تمرُّ كالريح. تُبلّلُ الوجوه برذاذ موج الحنين إلى الأيام الخوالي ، التي أزهرت" لؤلؤًا "و"طالبًا" عنق الزمن الجميل، ليزيّن ما قسا علينا في زمان الولدنة، لو يعود

طريق القدس تمرِّمن هنا

٥ تشرين الثاني ٢٠١٧


طريق القدس تمرُّ من هنا، من بيت وزقاق نقولا إلياس الروادي (١٩١٤-١٩٧٥). كان الحج نقولا ينظّم رحلات الحج إلى القدس، وأيضًا إلى صيدنايا ومعلولا وغيرها، في أربعينيات وخمسينيات من القرن العشرين.
تقف البوسطة في ساحة الترب، الحقائب مربوطة على سقف الباص. صوت الحاج نقولا يلعلع : صار وقت السفر. يصعد الحجاج وأعينهم باصرةٌ إلى كنيسة القيامة، عبر دمشق فالأردن ففلسطين.
كان الحجُِ سنويا في زمن عيد الفصح المجيد.توقفت الرحلات العام ١٩٦٧. لم يعد الحج نقولا إلى القدس وكذلك المؤمنون.اكتفى من زار القدس بشراء الكفن من الأرض المقدسة، واكتفى آخرون بطبع تاريخ زيارتهم على أذرعتهم. باقية القدس في بال من زارها، وفي قلب من درجَ في أزقتها القديمة المقدسة. رحل الحج نقولا إلى القدس السماوية، وبقينا على عهدنا، كلّما مررنا بالقرب من زاروب بيت الحج نقولا، استعدنا عبارة: كانت طريق القدس تمرُّ من هنا، فتسكن بقداستها قلوبنا ، تلك التي" عيوننا إليك ترحل كلّ يوم".

هيلين توماس

٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


هيلين توماس (4 آب 1920 م.- 20 تموز 2013م.)، كبيرة مراسلي البيت الأبيض وعميدة الصحافة الأميركية، خرجت من هذه الأزقة إلى العالم.هاجر والدها جورج أنطونيوس الأبّتي من الميناء إلى أميركا العام 1892م، وكان في السابعة عشر من عمره. "وصل إلى ولاية "كنتاكي" ولم يكن معه إلا بضعة سنتات، وكيسًا فيه ملابسه، وكتاب صلاة مسيحية باللغة العربية" ، كما تقول في مذكراتها. لم يستطع المهاجر الجديد لفظ اسم عائلته بشكل صحيح، ولم يفهمه رجل الأمن الذي كان يسجّل السماء فحوّره من Antonios إلى Talos ليصير مع الوقت Thomas.اشتغل جورج ببيع الخضراوت والفواكه والحلوى والسجائر على عربة يجرّها حصان. بعد فترة عاد إلى الميناء العام ١٩١٠وتزوّج ماري أروادي، وهي عمّة المختار جورج أروادي، وأمّ ماري اسمها بدرة خرياطي.
عاد جورج إلى "كنتاكي" مع عروسته وكوّنا عائلة كبيرة . درست ابنتهما هيلين الصحافة واشتغلت فيها من العام 1941، وصارت أولى مراسلي البيت الأبيض. رافقت، عشرة رؤساء جمهورية، من الرئيس جون كنيدي إلى الرئيس باراك اوباما الذي أقام لها آخر عيد ميلاد لها لمناسبة بلوغها 92 عامًا. أثارت جنون اسرائيل، ما دفعها إلى الإستقالة، وقد بلغت من العمر عتيا، لما قالت في مؤتمر صحفي، العام 2010:" قل لهم ( أي للإسرائيليين) أن يغادروا فلسطين وأن يعودوا إلى ديارهم في بولونيا والمانيا والولايات المتحدة وسواها". إلى هذا الزقاق الطويل العريض، عادت هيلين توماس مرات عدّة. التقت عائلتها وفرحت بجذورها، وبأنّه من هذا الزاروب العتيق المتوغل في التاريخ، خرجت صبية رفعت اسم الميناء ولبنان في العالم.ألا تستحق هيلين توماس أن يطلق اسمها على الحيّ العتيق الممتدّ في شرايينها وقلبها؟!

زقاق الطاحون

٣ تشرين الثاني ٢٠١٧


كان بيت أروادي وخرياطي هنا، بعد دخولك متاهات من الأزقة الصغيرة لتصل إلى ذلك البيت الكبير ، الذي كانت تتوسطه ساحة كبيرة مرصوفة بالبلاط الأبيض الكبير، وتنتشر على محيطها غرف المعيشة.
راح هذا البيت يوم نفّذت البلدية فتح الطريق من أمام بيت عرابي إلى شارع بور سعيد العام ١٩٧٤.
وما زال بيت أروادي من أركان هذا الحيّ الذي يعكس النسيج الأهلي والاجتماعي للميناء. هنا سكن بيت سرحان والخوري إلياس المر ودنيا وسمنة ومخول وعرابي ومكربل وتوما ونيكرو ونمنم وخزامي وكراكيزي وجباضو وعنتر وأنوس والبيروتي وزيتونة ومعاليقي وعيد وبينو ومبيض وخزامي والسيّد وصيداوي والرملاوي وجباضو ودبوسي ودياب وقودم وبندلي والحلبي وعبد الوهاب وبريص ونعوم وفؤاد ديبو ، وغيرهم من العائلات الأصيلة في الميناء، الذين ما زالوا حتى تاريخه واحدًا في نهاراتهم، وفي إفطاراتهم معا في شهر رمضان المبارك، وفي التهاني والتبريكات بأعياد الأضحى والميلاد والفصح.
كان، في هذا الحي، ثلاثة مخابز ، هي نبض الحيّ، يبدأ بفرن "أبو خضر" الفلسطيني، مرورًا بفرن" أنور سمنة"، وانتهاء بفرن" الحنتور "قبل أن ننعطف إلى الزقاق المؤدي إلى ساحة "ترب الإسلام"، أو إلى السوق الاقتصادي الجامع لأهل الميناء، تحت قبوة الجامع العالي الكبير. هذا الرغيف الطازج كان يطلع من بيت النار يوميا، لتوقد حرارته قلوب سكان الحيّ عفوية، ولتجمعهم المودّة واللقمة الواحدة وملح البحر المجاور النازل في الشرايين والقلوب والخاطر

"وردة" الأرمنية

٢ تشرين الثاني ٢٠١٧


هنا كانت تعيش" وردة" الأرمنية مع أخيها إيليا ، كما كانت تعيش عائلة الدبس، و"أبو محمد " وعائلته. زاروب لا يمرّ فيه إثنان، لكن منه خرجت عائلات إلى العالم الواسع خارج الميناء. هذا الزاروب الضيق كانت تحرسه "ساميا "وزوجها "إبراهيم" في منزلها الصغير ، العربي الهندسة، حيث تدخل مربعًا واسعًا، تجري فيه الصبحيات، وبعض الغرف الصغيرة.
هذا الزاروب يواجه دار البلدية القديم، وتطلّ عليه كل نوافذ البيوت العتيقة. كما تطلّ على حجارته وجوه العابرين منه إلى عواصم العالم.
بدأت هنا أبجدية ألعابنا في طفولتنا. كان الزاروب على قدّنا كما أسوار البيوت الأرضية. كنا عمالقة في الطرق الداخلية، وكنا نحفرُ أسماءَنا على حجارة الحيطان وجذوع الشجر. راحت الأسماء، وسقطت أحلام الطفولة، لما انتشرتِ الشوارعُ على حسابِ الحاراتْ، فخسرنا الأبجديةَ البحريّةَ، والكلماتْ

ساحة كنيسة مار جرجس

١ تشرين الثاني ٢٠١٧


هذه هي الساحة الرئيسية لكنيسة مار جرجس، في الميناء، المبنية العام ١٧٣٥م. من هنا كان المدخل الرئيسي والأساسي، لأن السكن الشعبي والحراك العام الاقتصادي والاجتماعي كان مقابل هذا الباب الغربي.
أما الباب الشرقي فهو كان للعبور إلى ساحة "الترب"، أي إلى المقابر الأرثوذكسية التي انتقلت من الساحة إلى موقعها الحالي العام١٨٧٥ م. بعد أن وهب سمعان كرم أرض المقابر الحالية، وبنى كنيسة على اسم شفيع أبيه يعقوب العام ١٨٧٢م.
من هنا يأتي الجواب على أسئلة كثيرين:
-لماذا كانت مسيرة الدفن تمشي في الأزقة وتدخل من الباب الغربي، وبعد الصلاة يخرج المشيّعون من الباب الشرقي إلى المقبرة؟
- هنا الجواب لعدم استساغة دخول العروس إلا من الباب الشرقي، وعدم الدخول من الباب الغربي لأنه تاريخيا مدخل الأموات!
-الجواب على سبب ضيق المدخل عند الباب الشرقي، الذي يقوم قباله مبنى الأيتام القديم العام ١٩١١م.
- الجواب على وفرة الأبنية الأثرية المهمة الموجودة قرب المدخل الغربي.
- الجواب على وجود حمام عام قديمًا مقابل هذه الساحة الأساسية. إنّ الكثير من التقاليد والعادات يمارسها الناس دون أن يربطونها بالذاكرة الشعبية القديمة. لعلّنا أوضحنا ما فات كثيرون

ملاعب الصبا

٣١ تشرين الأول ٢٠١٧


هنا كانت بعض ملاعب صبانا. كنا نجري في أروقة الميناء حيث كانت مجالس الناس تمتدّ إلى وسط الأزقة، كما تحت الجامع الكبير العالي الذي بناه أبو بكر بن محمد من حكام طرابلس العام ١١٢٥ هجرية.
كنا ننزل السوق، هنا يوميا، في أوائل الستينيات مع الأهل لشراء الخضار. كنا نحمل كيسًا من جلد، له مسكتان، نلوّح به قبل أن تغرق فيه المشتريات اليومية.
كنا ندور في الحارات بفرح. وكنا نعبر قبل درج الجامع ،إلى اليسار، قناطر تاريخية قبل أن نواجه البحر الواسع. كنا نختبىء في شقوق الجدران كذاكرة المدينة، وكانت حكايات البحّارة ،وأحاديث الصيادين تخبرك بالأساطير والروايات التي لا تنتهي، عن غربة البحر، والخروج ليلاً لطلب الرزق في ليالي الصحو، وليالي المطر، بعد أن يشعل الخارجون إلى رزقهم شموعًا على قبر الشيخ عفان الملاصق لقصر آل يحيى،وسط ابتهالات النساء، وتضرعات الصغار بعودة الآباء بعطاء البحر سالمين آمنين.
هنا تحت قبوة الجامع الكبير العالي، ووسط محلات الخضار العارمة، والحمام العتيق، كم رسمنا مسارات طفولتنا في ذاك الميناء العتيق. هنا ألف حكاية لألف جَارْ وَدَارْ، مهما الزمن جَارْ وَدَار

الحنين إلى الجذور

٢٩ تشرين الأول ٢٠١٧


كلّما عبرتُ من "زاروب إلى زاروب"، تذكرت وجوهًا كانت هنا، وقّعت على دفتر يومياتنا ورحلت بالموت، أو بالهجرة كذاك الصديق الذي لم نودعه لعدم معرفتنا بهجرته مع والدته وأخته، في ستينيات القرن الماضي، ولم نعد نعرف عنه شيئا.
كما تذكرت واقعة موجعة، فزرت بطلتها اليوم في بيتها العتيق، وقد بلغت من العمر عتيا، كما خانها بصرها. تذكّرنا معًا حين حضر مغترب طاعن في السن مع زوجته، وقريبة له من الأرجنتين إلى الميناء، حوالي العام ١٩٨٧، فزار كنيسة مار جرجس ، لأنّ جدّه أخبره أنّه تزوج في هذه الكنيسة قبل هجرته إلى الأرجنتين، مطلع القرن العشرين. جا، في آخرته، يبحث عن جذوره مع خوري الرعية فتراب مسقط الرأس يريح المرء.
كان الرجل لا يتقن العربية، وكانت قريبته تترجم من الإسبانية إلى الإنكليزية. لم نستطع العثور على جذور عائلته ، إلى أن أبرز لنا صورة لجده ولوالده، فأقمنا مشابهة ملامح ،فوجدنا بعض تقاسيمها في وجه من زرتها .
فذهبنا مع المغترب ومرافقيه إلى بيتها ، ووجدنا صورة عتيقة معلّقة على الحائط لوالدها، وكانت الملامح متشابهة مع جد ووالد المغترب.
كانت لحظة مؤثرة، إذ انهمرت دموع الباحث عن جذوره، فركع وقبّل أرض الدار شاكرًا ربّه. ولما خرجنا من الزقاق، طلع البحر أمامه، فعاود الركوع وتقبيل الأرض إذ تذكّر، لما كان طفلا، قول جدّه بحزن ووجع :" من أمام باب بيتنا، يا جدي، كنا نرى البحر".
عاد المغترب بعد عثوره على جذوره إلى الأرجنتين، وبقي على اتصال ، مع قريبته الجديدة، سنين طوال قبل وفاته .
كم حمل هذا البحر المالح من أبناء الميناء إلى الشواطىء البعيدة، ولم يرَ أبناؤهم مدينة الميناء إلا في عيون أجدادهم، وأشواق آبائهم وحنينهم.
من يلملم الدمع السخين الذي صاغ غربة مرّة مهما حلا فيها العيش. يبقى البحث عن الجذور كالبحث عن حكايا الميناء في الذاكرة. كلّ من بقي من كبارنا هو ذاكرة المدينة الحيّة ، وبعضٌ من حكاياتها، التي لها أصول وجذور نأمل أن تبقى شروشها في القلب والبال

من الغربة

٣٠ تشرين الأول ٢٠١٧

شكرًا أوّلا للقراء الذين يتصلون ويسردون بعضًا من حكايا الثغر البحري لتدوينها وصيانتها كي لا تضيع . هنا قصة جديدةعن البحر والغربة.

ولد بطل حكايتنا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وسرقته جمالات أحياء الميناء القديمة، قبل أن تسرق قلبه في العام ١٩٠٥ الصبية "السيدة ". لكن الغربة كانت له بالمرصاد، إذ قررت والدة حبيبته ، الأرملة، أن تسافر إلى المكسيك مع ابنها وابنتيها، هربًا من الجوع والقلّة.
"ومن بابور إلى بابور إلى بابور"، وصلت العائلة إلى المكسيك، لكن الحبيبين لم تباعد بينهما المسافات، إذ كان بطلنا يلاحق من أحبّ "من بابور إلى بابور" إلى أميركا، حيث لم يجدها، فإلى المكسيك.، هناك التقى بطلنا ب " السيدة" فتزوجا خطيفة، "ومن بابور إلى بابور إلى بابور" عادا إلى لبنان، وانفجرت الحرب العالمية الأولى، وأتى الانتداب، وتوفّي "أبو جورج" العام ١٩٢٩، وبدأت الحرب العالمية الثانية، فضاعت الذاكرة والعناوين.
مرّت ٦٥سنة لم تعرف "السيدة " شيئا عن أمها وأختها وأخيها، ولربّما نسيت أن لها عائلة في مكان ما في المقلب الآخر من الدنيا، فضاعت الأصول والجذور
إلا أنه في العام١٩٦٨، وصلت راهبة إلى الميناء، لا تعرف من العربية إلا: " السيدة" و" الميناء". في ذلك الوقت لم يكن من عناوين ولا شوارع في الميناء، فقط توجد الأسماء والوجوه، بإنسانيتها الكاملة.
دلّوا الراهبة على بيت "أبي جورج"، خلف دار البلدية القديمة، وفي الزاروب العتيق المقدس ( مكان اللقاء في الصورة مع اختلاف الزمان ١٩٢٠ و٢٠١٠) التقت الأختان، دون أن يدركا أنهما أختان، لكن٦٥ عامًا كانت كأنها الأمس الذي عبر. ولأن أحدًا لم يفهم على أحدٍ ما الموضوع، نادوا "جوليا"، وهي تتقن البرتغالية فترجمت ، وحكت، فبكت، وأبكت، خاصة وأن الأخ الوحيد الذي، كانت الغربة، بسبب الخوف على حياته، من الحرب الأولى في لبنان، قضى في أحداث الحرب المكسيكية. لم يعد الآن الكلام يكفي لتصوير المشهد، كأنك تعثر وأنت في جزيرة نائية على قارورة من زجاج، فيها رسالة، ويلك إن كسرت، بين يديك، القنينة لهشاشتها، وويلك أن تبوخ كلمات الرسالة من الماء وتنمحي. كأنّ حياة أهل الميناء كالبحارة، تأخذهم موجة وتردّهم موجة، لعلّهم هم الزجاجة المُبْحِرَة وهم الرسالة المكتوبة بحبر الغربة

بناية السمراني

٢٨ تشرين الأول ٢٠١٧


لم يقدر هدير البحر على هذه البناية، ولا على أهلها. حاول أن يبتلع أحد شباب الحي ففشل، لكنه استطاع أن يحمل على أمواجه بعض عائلاتها إلى استراليا وغيرها.
هذا حيٌّ كان ،على اسمه، حيًّا يعجُّ بالناس الأوفياء الطيبين، منهم بيت "المعماري" الذين "عمّروا" البحر واشتغلوا فيه، وبيت "سرور"، وبيت "معاليقي"، وبيت "الرطل"،وبيت "دقور"، وبيت "باسيلي"، وبيت" الرومي"، وبيت "الشريك" "شعبان" الذي جاء من الشوف، وسكن في بيت "عبد"، فَأَلِفَ رطوبة الميناء، ولعلّ زياراته إلى الميناء ما زالت متواترة، لمعرفته بأنَّ أهل المدينة البحرية يخترقون بعفويتهم ومحبتهم السهول والوديان والجبال.
في بناية"السمراني" هذه، تعرّفنا إلى أول مصعد كهربائي، فكنا نسرق الوقت لنصعد فيه وننزل. في هذا المصعد وقع صاحبنا لأنه لم ينتبه أن غرفة المصعد غير موجودة، وأن الباب فُتح بالخطأ، فلزم الفراش محطمًا لفترة. كم صعدنا سرقة، في هذا المصعد، وكم نزلنا، فيما لم نشعر أنّ العمرَ يسرقنا .تفرَّق الرفاق في أقاصي الدنيا. لم يعد موج البحر نفسه. غابت وجوهٌ، وأتت وجوه. صارت الذاكرة دفتر النسيان. لم يبق إلا المصعد في روتين صعوده ونزوله، وحدها مراياه سَرَقَتْ صورَ الأحبة وجمالات تلك الأيام

جميل قودم

٢٨ تشرين الأول ٢٠١٧


في هذا الحيّ في الميناء العيتقة ولد الأديب جميل قودم، العام 1899 في الميناء .والده جبران قودم الذي ولد العام 1860، هاجرإلى الولايات المتحدة الأميركية، ورجع العام 1897 إلى الميناء ليتزوج من جليلة، ابنة نقولا دحروج العام 1899. أنجب جبران إضافة إلى جميل: ميخائيل(ولد 1901) وتوفّي بعد شهرين، وميشال ولد العام،1902 ويعقوب ولد العام 1907 وماري العام 1910 التي ولدت بعيد سفره إلى البرازيل، التي عاد منها بعد أربع سنوات بسبب مرض زوجته حيث توفيت بحضوره العام 1913.
جميل قودم من الكتّاب اللبنانيين الذين عاشوا فترة طويلة في الإسكندرية، ونسب آل قودم يعود إلى أنهم نزحوا من" كوزوم" بلدة من أعمال أرمينيا، ولم يبق احد منهم مقيمًا في البيت العائلي الميناوي. كتب في صحيفة "النهار" البيروتية و"الحوادث" الطرابلسية،وصحيفة "الوادي" الزحلية وصحف "الأهرام" و"المقطم"و"البصيىرة" المصرية،كان صديق الأديب الميناوي الآخر أمين نعوم وكان قد زاره في بيته في الميناء للاستزادة العلمية العام 1945، كما انتقد بمحبة أهل الميناء لأنهم لم يكرموا اين مدينتهم الفيلسوف فرح أنطون يوم وفاته في مصر العام 1922.عاد جميل إلى الميناء وتوفي في بيروت العام ١٩٨١.
له ثلاثة كتب: "مذكرات معتقل"، "أعاصير"، "الشعر الخالد بين طارق وتالد". من الميناء خرج المفكّرون والكتّاب والفلاسفة والشعراء، وقد آن الأوان لإبراز مواهب أبناء الميناء الذين كتبوا ورسموا وألّفوا المسرحيات. صحيح كانت الميناء بلدة صيادين فقراء، لكنّه لم تكن فقيرة، فرغيف الخبز في بيوت أبنائها كان كافيًّا لقوت أهلها. فإن كان لأهل السهول زيتون البرّ، فقد كان لأبناء الميناء زيتون البحر أي السمك. لعلّ مقولة:"عقله سمك" لا تصف أهل الثغر البحري، ففيه كانت عجقة القناصل والحركة والتجارة البحريتين، إلى جانب العمران التاريخي والحضاري في نسيج حجرها وبشرها الطيّبين

المقالع البحرية

٢٧ تشرين الأول ٢٠١٧

لم يكن الشاطىء الميناوي الصخري كما نعرفه اليوم. فالصخر كان عاليًا، ويشكّل سدًّا طبيعيًّا يمنع الموج من دخول البيوت، ويردّ العواصف والرياح الهوجاء. لكن أين وكيف اختفى هذا السدّ الصخري العالي؟ لما بدأ سوق الخراب، في القرن السادس عشر، بإعادة الإعمار بعد أن دمّر السلطان قلاوون الميناء، العام ١٢٨٩م. ، بعد انتصاره على الفرنجة، بحث المعمرجيون عن حجارة للمداميك والبناء. فعمدوا إلى إنشاء مقالع للحجارة قرب البحر بعد أن نشروا بالمناشير السواتر الصخرية الممتدّة على الشاطىء، وهذا يبرّر الخدوش الموجودة على صخر الشاطىء. جاء في الكتب: "في العام ١٦٣٥م.كانت الكروم تغطي معظم أرجاء الميناء، وعلى شاطىء البحر من الجهة الغربية، حيث الحمام المقلوب، كان يوجد مقلع لقطع أحجار البناء ، التي كان يرسل بعضها إلى المدينة،أي طرابلس، والبعض الآخر الى الميناء، ولا سيما الناحية الشرقية منها، وكان الخان الذي بُني من هذه الحجارة، لا يزال العمل يجري فيه على قدم وساق،وكان قد مضى على الشروع في إنشائه نحو سبع سنوات،وقدّر لانتهائه ثلاث أخرى". هذا يعني أن الصورة المرفقة تعود إلى العام ١٦٣٥ م. إذ لم يكن قد انتهى بناء خان الوزير التركي محمد الفتردار التماثيلي أو خان" عبود"،والبرج على يسار الصورة هو برج السراي، الذي كان مخفرًا للفرنسيين زمن الانتداب، ثمّ دمر العام ١٩٥٨، وقام على أنقاضه جامع عمر بن الخطاب. كما نلحظ وجود مقلع آخر في أرض كنيسة مار الياس،كما يظهر في الصورة التي التقطها حبيب هواوويني العام١٨٩٩م.. منذ سقطت أسوار المدينة البحرية بأيدي أبنائها، راحت الكروم، وزادت رطوبتها. من هنا نرى حجارة البيوت القديمة ترشح رطوبة وماء، كأنّها دمع الشوق إلى الجذور البحرية، وفقش الموج، ورذاذ الماء المالح

نخلة عبدو

٢٦ تشرين الأول ٢٠١٧

هو الممر الآمن في النهار والليل، في ضوء الإنارة أو في انقطاع الكهرباء. في هذا الزقاق، كما في غيره، إلفة وجوه، سكنت في ملامحها المتجعدة أسماء من مرّ من هنا، في نهاية هذا الممر الذي تدخله من "نزلة البلدية"يمينا لتصل إلى المخفر القديم، يقع محل "نخلة عبدو"(١٩٠١-١٩٩٠). هو من رعيل الميناء العتيق الذي امتهن الصيد البحري، والتوريق، وصناعة الكلس،والفخار، وتصليح "البابور"،والكندرجية. محل "نخلة" كان عكس معنى اسمه. لا طول ولا عرض. فقط مساحة تكفي لعدّة تصليح ما عتق من الأحذية. كان نخلة اذا ترك دكانه وضع كرسيًّا على المدخل، أي أنّه يعود بعد قليل. وهذا القليل يقصر أو يطول،حسب ما يستجد معه في السوق. ما في شيء مستعجل في الميناء المتثائب. كان "نخلة" كلما أخرج مسمارًا من فمه، ليدفعه في نعل حذاء، كان يعيد صياغة خطوات العمر، يجلّس ما اعوج، مبللاً بريقه قبل جفاف الأيام، وارتحال عفوية الأقدمين وبساطتهم. منذ رحل الحرفيون من مينائي ضاعت هوية المدينة

أمين نعوم

٢٥ تشرين الأول ٢٠١٧

قلائل يعرفون من سكن هذا البيت الغارق في التاريخ. يقع البيت خلف كنيسة مار جرجس. لاحظوا الرخام الأبيض الذي يزين مدخل الدار في الأعلى، وهو يشير إلى غنى ساكنيه
هنا انزوى أمين نعوم في صومعته( توفّي العام ١٩٥١)، بعد أن أطاحت ظروف الدهر وعاديات الزمن بثروته، وجردته من جميع ممتلكاته. كان والده القبطان ابراهيم نعوم الذي تزوج انجلينا اللوزي وأنجبا ثمانية أولاد، لم يتزوج منهم إلا أمين، وبرز منهم يعقوب الذي كان دماغًا تجاريًّا واستطاع أن يكون مديرًا لمرفأ "أوديسا" في روسيا. أما أمين،فكان يهتم بالحسابات التي انهارت مع الثورة البولشفية الروسية العام ١٩١٧.
في هذا البيت العتيق ألّف أمين مصنفًا في تاريخ الفلسفة، ونظّم ديوانًا في الشعر، ونشر مقالات في جريدة المقتطف.كان متضلّعا في اللغتين الروسية والفرنسية. له ولدان جاك( توفي منذ سنة في ألمانيا) ويوسف( يعيش حاليا في المانيا)، ويعمل على نشر آثار والده
كثيرون لا يعرفون تاريخ الميناء الذي منه خرج مفكرون، مثل أمين نعوم وفرح أنطون وصبحي الصالح وجميل قودم وغيرهم. من هذا البحر المالح سقى كتّاب من الميناء العالم فكرٌا، ومن أفق هذا الساحل حملوا الميناء في قلوبهم إلى أقاصي الأرض.
من هذا الميناء صيادون خرجوا لصيد السمك، وبنوا هذه المدينة، ومن هذا الميناء صيادون خرجوا إلى بحر هذا العالم لصيد الناس، فكرا وفنّا وفلسفة، فترجموا الميناء في غربتهم دمعًا وشوقًا وعبقرية
آن أوان استذكارهم.

"حنا قابوق"

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧

هنا، على ما أذكر، سكن "حنا قابوق" وزوجته "مريانا" قبل أن ينهدّ جسديهما ويرحلان، ليعود وينهدّ البيت العتيق بقناطره ودرجه الحجري الخارجي. كما غابت ياسمينة الدار التي كان المارّون يغازلونها خلسة، كما شجرة"القشطة" الوحيدة في في المنطقة. كل مصاطب البيوت في أحياء الميناء العتيقة،أيام الأيام المشمسة، تتحوّل إلى شرفات وصالونات ودواوين مع ركوة قهوة وأركيلة. أما في الأيام الممطرة، فكان مدخل البيت مأوى الجالسين في الداخل، ويبقى باب البيت مفتوحًا للعابرين ،والسلام والكلام.هذه المصاطب كان يرشّها أهل البيت بالماء عصرًا، ثم يضعون الكراسي ويجلسون في فيء الحيّ ليقفوا على أخبار الجميع، في استفقادهم لبعضهم يوميا. يقع هذا البيت على مفترق منعطفات. إلى اليمين تصل إلى بيت"منّة" وإلى اليسار تصل إلى بيت المختار ادوار روحانا. كانت مهمة البيوت الواقعة على المفارق الإجابة عن سؤال المارّين والضائعين والضيافة. كما شهد هذا البيت بعض شيطنة طفولتنا، وأراجيح ذكرياتنا كأطفالٍ، مع حفيد هذا البيت، صديق العمر جان عرب. بقي ساكن هذا البيت إلى آخر حياته يتعامل مع الحجر. رأى فيه رقّة لم يرها، ربما، عند كثير من البشر. كان ينقش أيضًا الكلمات على شواهد القبور لتبقى ناطقة في الذين لم يعودوا ينطقون في الأرض. لم يقصّر أهل البيت في وصول العابرين إلى وجهتهم. كان البيت بوصلة الوجوه أمام مصاطب بيوتهم. اليوم راحت المصاطب الأليفة، وراح العفويون العارفون، ولم يعد من سائلين ولا من يحزنون.

ماري قنيزح

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧

كانت"الثآليل" تغزو يديّ حين أرسلتني أمي إلى بيت ماري قنيزح، البيت العتيق الصامد بهندسته، قرب سينما "رابحة"،لتجد حلاّ لها. قالت لي: يجب أن تتوقف عن عدّ النجوم ليلاً، فعدّها يكثر " الثآليل". عُدْ باكرًا عند الخامسة صباحا، مع "فشة" من عند لحّام الحي. وفعلا جئتها صباحًا مع قطعة اللحم . أخذت قطعة صغيرة منها، دهنت "الثآليل"، وهي تمتم كلمات أو صلاة لم أتبين مضامينها. عند انتهاء الطقوس، حفرت في تراب زرعها، وطمرت قطعة اللحم الصغيرة فيه، وقالت لي: انتهينا وتوقف عن عدّ النجوم ليلاً. لما جاء الليل، لم يصبني النوم ولم يقدر على عينّي. إذ من اعتاد عدّ النجوم لن يتوقف. لكني لأول مرة أرقب السماء ولا أرى النجوم، ولكنها كانت فوق مضيئة.صارت السماء دفترا بلا كتابة، وحبرًا بلا بياض. مررت بالأمس على بيت ماري قنيزح، رأيت، بعد خمسين سنة، حوش الزهر، وقنطرة باب المدخل العتيق.خفت من عبور القنطرة كي لا تسرقني نجوم الذكريات في سماء النسيان

"جزيرة البقر"

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧

كانت أقدامنا الطريّة جسر العبور إلى "جزيرة البقر"، قبل قيام الجسر القاسي.كنا نتحاشى الدوس على حبّات" التوتياء"، وإن فاتتنا حبّة، وغرزت أشواكها في باطن أرجلنا، عمدنا إلى الزيت نفرك به مكان الغرز، لنسحب الشوكة بهدوء، بعيدًا عن إبر"التيتانوس" وأدوية "الصيدليات". هنا كانت الزوارق تلفّ حجر"الأليفيت"، لتعبر بأمان إلى المرسى، لنعود إلى بيوتنا بعد السباحة في الجزر، قبل أن تفرّخ أحواض "البيسينات" وكراسي الراحة حولها. هنا كان الماء نقيّا كعين الديك، وكنت ترى قاع البحر، وتعدّ حصاه، وتوتياه، وترى الأعشاب البحرية بألوانها، وتقرأ قصص الصيادين ولياليهم القاسية. وكنت تعرف أنك لصيق البحر وعشيره، وسقالة "أبو قدور" وقهوة "عزيزة" حيث لم ترتح على شاطئه فوهات المجارير، ولم يقبع على صدره جبل النفايات. هنا كانت جورة "العبد" وجورة "المطران"، وأرض "مابرو" ، وهنا كنا نلاحق "السلطعان"، بعد أن نرفع أي حجر عن الشاطىء الرملي. هنا كنا نلملم الأصداف والأبواق نضعها على آذاننا، لنسمع صفير الرحيل فيها، وأغاني الموجوعين. هنا كان الماء مالحًا إلى حدّ العذوبة

مرسال نادر

١٧ تشرين الأول ٢٠١٧

كلّما سمعت اسم "مرسال نادر" أتذكر عمود التلفزيون الواقف كالحارس على سطح بيتنا العتيق.
في العام١٩٦٤ اشترى والدي أول تلفزيون بالحيّ:"زقاق الطاحون" أو "نصف برطاشة". كان التلفزيون عبارة عن خرانة موبيليا تقف على أربع قوائم.

في كل مساء، عند السادسة، تبدأ البرامج بعد أن يكتمل المشاهدون: الأقرباءوالجيران في صدر الصالون، ونحن على الأرض، وأولاد الحيّ تطلِ رؤوسهم من نافذة الصالون كحبّات العنب في دالية الدهشة.
المهم كنا نلتقط الصورة عبر "انتان" يهزّ، كلّما هزّ الطقس لتهزّ الصورة، ولم يكن من نشرة للأحوال الجوّية، بل كانت الشاشة المرتجفة دليلنا إلى ما يحدث في الطبيعة خارجًا.
المهم هذا " الانتان" لم يكن يعرف إلا " ميكي ماوس"و أبو سليم" و" أبو ملحم" و"بو نانزا"، وكلما راحت الصورة كان المشاهدون ينتظرون حركة" مرسال نادر" المسؤول في الميناء عن تصحيح عمود البث الأساسي، الذي يلتقط الصورة من بيروت عبر محوّل من عبرين، في بلاد البترون، ويعمل على إيصال صورة أفضل.

كان العمود على بناية البرط العام ١٩٦٦ وقبلا كان في بيت وليم انطكلي العام ١٩٦٣ ، في منطقة فوق الريح، وكان العمود خاصا بمحطة الإرسال للشمال في شركة لبنان و المشرق القنال 11.
مرسال نادر، المهاجر، عرف اسمه الكبير والصغير، وكثيرون لم يعرفوه بالوجه. كان يومها القناة الأساسية لوصول البرامج القليلة لقناة السهرة. كان مرسال نادر البثّ الرقمي يومها. بيديه مفاتيح الشاشة السحرية. به كانت البرامج، ودونه تختفي الصورة والصوت.
اليوم تقتحمك، الكترونيا، وبدون استئذان، البرامج العديدة، والقنوات المتشعبة، واللغات الأصلية والمدبلجة.
مرتاح إلى "الريموت كونترول"، تنتقل من قارة إلى قارة. نحن عاصرنا اللونين الأبيض والأسود، وتغيير القنوات يدويا، ولم نحتج إلى التغيير، إذ لم يكن لدينا في سهراتنا البيتية إلا قناة ٧ وقناة ١١ و....مرسال نادر

السوق القديم

١٦ تشرين الأول ٢٠١٧

تتهالك الأمكنة، وتبدأ الذاكرة تفقد أحلام الطفولة. هنا كانت الناس تصول وتجول. تلملم ما اهترأ عند الخياط بندلي، وتشتري اللحوم من نعيم( أطال اللهم عمره)، وتتزيِن عند المعلّم قسطة، وتتناول كأس ماء حمص مغلي عند الخامسة صباحا، أو تلتهم صحن فول أو حمص أو فتة،من يدي فكتور، أو تراقب تمتمة شفتّي متيلدا، الساكنة فوق المحلات، وهي تصلي بورقة خضراء على كأس ماء، لتجنّب صيبة العين.
أين رحل السوق العتيق؟ وإيقاع خطوات المارة ليل نهار؟
لبست وجوه ناس السوق القديم في ذلك الميناء، المشلوح على شاطىء، رداء النور، وسكنت حفافي أرض النجوم، لأن الأحلام لم تعد تكفي، ولم تعد الأمكنة، كما كانت. صارت كالذاكرة، تتهالك ولا تهلك. كالريح تسأل أغصان الشجر عن الزمن الجميل، فلا تسمع إلا حفيف الصمت، وسقوط أوراق خريف العمر في ربيع الذكريات

صورة من عرس "جنى"

٢٢ آب ٢٠١٧

ما أقسى تلك الصورة وما أصدقها تعبيرًا، وأوجعها قلبًا. ففي ذاك العرس البهج، وعلى صوت الموسيقى، وعجقة حركات فرقة الزّفة، أطلّ أبو العروس لينزل درجات العمر مسلّمًا ابنته إلى من أحبّت أن تمضي معه حياتها.صعد العريس الدرجات ليقبّل أبا العروس ويأخذها إلى قلبه.بقيا معًا في منتصف الدرج، فيما أبو العروس تابع مسيرته نزولاً تاركًا العروسين يتراقصان فرحًا على درجات العمر, في أعلى الدرج كان الأب مع ابنته، وفي منتصف الدرج أخذها فارس أحلامها، ووحيدًا مضى الأب إلى امرأته، شأن كلّ الآباء ليصير العروسان جسدًا واحدًا.ماذا جال في ذهن الأب في نزوله درجات السلّم بعدما عهد بابنته إلى من أحبّت؟ لعلّه فيما ينزل الدرج العتيق لاحت له بشيطنتها صغيرة لما كانت تقفز درجات سلّم البيت، فإن خافت أمسكت بيده. الليلة أمسكت بيد من أحبّت وأرخت يد أبيها. لكنها تعرف في قرارة نفسها أن اليدَ التي أرختها باقية على وترها، مشدودة العضلات، لتجدها كلّما طلبها حاضرة ناضرة، كسهول القمح التي لا تتعب من لظى الشمس ومن اتساع المدى.

تبدو صورة قبول الأب، أو السلطة، وموافقته على الزواج جلّية في هذا التقليد المتوارث، ولكن السؤال: لماذا لا يقوم الوالدان معًا بلقاء العريس وتكريمه لحسن اختياره؟ ماذا عن عينّي الأم اللتين لم تطاوعا القلب في رجفته إلا في نبض الرمشين وترقرق الدموع؟ وماذا عن الجدّة التي احتضنت الحفيدة وربّتها ورقصت، وهي العاجزة، لحظة التقاء العروسين؟ ماذا لو، مراعاة للموروث، وقفت الأجيال الحيّة وراء العروس لحظة لقائها بعريسها؟ قد يكون من اللازم اليوم دراسة ما استلمناه من عادات وتقاليد لعصرنتها ومواكبة التطوّر الإنساني الحاصل، هذا إن رضي شباب اليوم أن نبدي رأيًا، أو أن نقترح أمرًا. هو عرسهما ولهما ما يريدان.

صحيح أنّ الفرحة تغفر المواقف المتعثرة، أو مخالفة تعليمات المصوّرين، أو فرقة الزفّة، لكن الموقف مليء بالمشاعر، ومضطرب النفوس، كي يكون كلّ شيء مرتبًا ومنظّمًا. لعلّ الأهل، في تلك اللحظة، شعرا أنّ العرس عرسهما، وأنّ الحفل حفلهما، وأن ما تعبا من أجله، حان حصاده في عيون صغيرتهم، التي لن تكبر، وفي ابتسامات الرضى عند المدعووين. يعرف الأهل أيضًا أن تلك الليلة طويلة، وأن ساعاتها لن تنتهي بسرعة، وأن انسحاب العتمة بعد انطفاء أنوار المكان مؤجلة، كما رغبتهم في أن تبقى صغيرتهم بينهم لفترة أكبر، لكن وجه الصبح لا يستطيع أن يحجب حقيقة موقف طفلتهم بأنّها انصرفت، وهذه هي الدنيا، عن وجهيهما، إلى وجه اختارته ليكون فجرًا لها، ولتكون له فجرًا متجدّدًا.

في تلك البقعة الهادئة، تحت شجيرات النخيل، وتوزّع برك الماء، ووسط الأنوار المتلالئة، أدرك الأهل أن وليدتهم كبرت، وأن شيطنتها لن تقف عائقًا عند من مضت إليه بكلّيتها، كما آمنوا "أنّ الحبّ لا تحلو نسائمه إلا إذا غنّى الهوى" ليلى" أو اسم طفلتهم؟ هذه نسائم الحياة تهبّ كلّما أدركنا الكبرُ وشبّ أولادنا، وكلّما انصرفنا إلى مواكبة" جنى" عمرنا، في رعايتهم ومواكبتهم ليكونوا، كما نريد، أفضل منا، وأعلى شأنًا. في تلك الأمسيّة شعر "جان وزهيدة" أن شيئًا ما خرج منهما، لكنه، وإن خرج،وأنّهما سيبقيان جذور" جنى" في مسراها ومجراه