رمضانيات ٢٣ حزيران ٢٠١٧

( النّص الأخير آملاً للجميع عيد فطر سعيد، مع شكري لمن ساهم بتعليقٍ أو باتصالٍ مشجعًا)

جاء في الوثائق التاريخية الآني:
... تحتفظ زغرتا بشعور خاص بالامتنان لابن طرابلس الزعيم عبد الحميد كرامي الذي كان يتمنّع عن بيع القمح المزروع في أملاكه الواسعة، زمن المجاعة (١٩١٥-١٩١٨)، في مرياطة للمكارية الآتين من جبل لبنان وبيروت، قبل تأمين كفاية الجيران، جيرانه أهل زغرتا،كما تحتفظ زغرتا بنفس الشعور لعارف علم الدين من المنية الذي كان يهتم بتأمين وصول القمح الذي يُشترى منه، ومن تجار آخرين في المنية إلى زغرتا بأمان. من جديد طرابلس والشمال ، وأبدًا، عابرة الأحداث إلى الآتيات.



رمضانيات ٢٢ حزيران ٢٠١٧


جاء في الوثائق التاريخية الآني:
... قسّم الفرنسي طرابلس حسب ثقافته إلى نوعين: تركي ويوناني رابطًا الإيمان بالانتماء القومي. وقد عبّر أحد القناصل الغربيين عن استغرابه من واقع أبناء المدينة، فلا " اليونان" الأرثوذكسيون يتقنون اليونانية، ولا " الأتراك" المسلمون يتكلّمون التركية، بل الجميع يتكلّمون اللغة العربية وينظمون الشّعر بها.



رمضانيات ٢١ حزيران ٢٠١٧


جاء في الوثائق التاريخية الآني:
... وتناهى الأرثوذكسيون مع مسلمي طرابلس في ميولهم الدينية الروحية، فكان الأرثوذكسي يأنف كجاره السنّي من الخمّارات. وفي هذا الصدد نشير إلى استمرار حذر الأرثوذكسيين من أماكن بيع الخمر،إذ أصدرت الجمعية الخيرية الأرثوذكسية، في طرابلس، السنة ١٨٩١م، قرارًا لوكلاء الأوقاف بعدم تأجير محال لمن يتعاطى بيع الخمر..



رمضانيات ٢١ حزيران ٢٠١٧


جاء في الوثائق التاريخية الآني:
يعتزّ أبناء طرابلس، على اختلاف مذاهبهم، بالانتماء المكاني لها. في العام ١٨٣٩م ، ذكر "الفقير الذليل إلياس ابن جبرايل عيسى إلياس" ، في ختام نسخ كرّاس ديني، أنّه" الطرابلسي وطنًا والأرثوذكسي مذهبًا". فهذا الكاتب يحدّد هويته بنسبه العائلي، بموقعه الديني ضمن المنظومة الإسلامية، وبانتمائه المديني الذي رفعه إلى الانتماء الوطنيّ، فلم يقل إنه عثماني أو يوناني، كما لم يقُل إنه مصري، وهو كتب ذلك زمن الاحتلال المصري لبلاد الشام...



رمضانيات ٢٠ حزيران ٢٠١٧


منذ القرن التاسع عشر وأهل طرابلس، على اختلاف مذاهبهم، يتسابقون على كتابة تاريخ مدينتهم الحضاري، وتمايزوا في ما كتبوه لتنوّع موضوعاتهم، إلا أنهم كلّهم كانوا يشهدون لهوية طرابلس، وواقعها المنفتح، القابل لكلّ وافد، وحاضنة لأهل الجوار وعابرة للمدن. من كتّاب تاريخ طرابلس في القرن التاسع عشر: نوفل نوفل، جرجي يني، عبدالله غريب، عبدالله نوفل، حسين الجسر، حكمت شريف، محمد البابا وغيرهم.



رمضانيات ١٩ حزيران ٢٠١٧


.... كذلك فإن اسم "القبة" مأخوذ من "قبة النصر"، أي المكان الذي نصب فيها قلاوون العام ١٢٨٩ م قبة خيمته، ليدير المعركة التي انتصر فيها على الفرنجة وأخرجهم من طرابلس البحرية. في " قبة النصر " هذه كان ينزل، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، نحو ١٥٠٠ ماروني من الجبل للإشتاء على الساحل ،يسكنون المغاور على ضفّتي نهر أبي علي، بين المولوية وبكفتين أو في ضواحي قبة النصر. ... من جديد طرابلس عابرة للأحداث إلى الآتيات. .



رمضانيات ١٨ حزيران ٢٠١٧


" الزاهرية"، يعود اسمها إلى " الظاهرية" نسبة إلى "الظاهر بيبرس" حين عسكر فيها لفتح طرابلس قديمًا. مع الوقت تمّ تحريف الاسم إلى" الزاهرية"، لكن هذه المنطقة ما زالت تاريخيا، وليومنا، مركز سكن كثيف لأبناء طرابلس الأرثوذكس وغيرهم، ربما لوجود دارين لمطرانيتين: الأرثوذكسية احترقت نتيجة الحرب وانتقلت إلى الضم والفرز، وللروم الملكيين الكاثوليك وما زالت. هذا يؤكد على أن مسيحيي طرابلس سكنوا أحياء المدينة المختلفة، مع شرائح أهلها، في المودّة وعدم الخوف من تاريخ أحداث قد تفرّق بينهم تداعياتها. طرابلس عابرة للأحداث إلى الآتيات.



رمضانيات ١٧ حزيران ٢٠١٧


لمن نسي أو تناسى أسماء بعض شوارع الفيحاء، في أسواقها العتيقة التاريخية، وما زالت، التي لم تشكّل يومًا حرجًا لأبنائها، بل شهادة لواقع الفيحاء الحضاري وانفتاحها الرائد منها: شارع الكنائس، شارع الراهبات، شارع المطران، شارع مار مارون، ،شارع البطريرك غريغوريوس شارع المطران إلياس قربان، شارع يعقوب لبان، شارع مار إلياس، ترب المسيحية، شارع مار جرجس، شارع فرح أنطون، شارع سابا زريق.



رمضانيات ١٥ حزيران ٢٠١٧


...ومن الواضح، في سجلات محكمة طرابلس الشرعية، أنّ طائفة المعماريين كانت للمسيحيين إضافة إلى طائفة الصيّاغ. ويحب، هنا، التنبيه إلى أنّ تمركز المسيحيين في بعض الحرف أو الأحياء، لا يعود إلى أسباب إيديولوجية أو طائفية ، بقدر ما يعود إلى معطيات موضوعية وسوسيولوجية ، فقد كان انتماء الفرد إلى عائلة، ثم إلى حيّ، أو حرفة، يوفّر شعورًا بالانتماء إلى إطار مميز يوفّر شعورا بالتضامن.
من كتابي :المطران جورج خضر ، ص٥٠



رمضانيات ١٤ حزيران ٢٠١٧


... إن فترة الحرب التي امتدت من ١٩٧٦ إلى عام ١٩٨٩ساهمت في الزيادة الديمغرافية، حيث ارتفعت نسبة سكان الميناء حوالي ٤٣ بالمئة بعدما قدّم أبناء الميناء صورة حضارية عن رقيّهم، وانفتاحهم وقبولهم بالآخر المختلف عنهم، وأبرزوا الميناء مدينة سكنيّة جاذبة وهادئة بامتياز.
من كتابي :المطران جورج خضر ، ص٢٤



رمضانيات ١٣ حزيران ٢٠١٧


....كما أن المرحوم المفتي الشيخ منير الملك. (١٨٨٤-١٩٤٧) كتب مخطوطًا في تاريخ الأيام وزمانها، مشيرًا إلى المناسبات المسيحية، انعكاسًا لواقع علاقته المميّزة مع أهل مينائه، الذين كانوا يرجعون إليه، على اختلاف مذاهبهم، للوقوف على رأيه وحكمته.
من كتابي :المطران جورج خضر ، ص٣٣



رمضانيات ١٢ حزيران ٢٠١٧


.... من الميناء، البحر الزاخر بالعلم والآراء، يأتي الشهيد الشيخ صبحي الصالح (١٩٢٦-١٩٨٦) بتواضع العلماء، ليطلب من الخوري جورج خضر يومها، أستاذ الحضارة العربية الإسلاميّة في الجامعة اللبنانية رأيه في مخطوطه حول "النظم الإسلامية"، قبل أن يدفعه إلى الطبع، وكان الخوري خضر يستفيد مما كتبه الشيخ الصالح في علوم القرآن والحديث.
من كتابي :المطران جورج خضر ، ص٣٢



رمضانيات ١١ حزيران ٢٠١٧


تمدّدت منازل مسلمي الميناء في محيط الجامع العالي، وتجمّع مسيحيو المدينة حول كنيسة مار جرجس، وجمع بينهم يوميا الحيّ الاقتصادي ومقاهي البحر. هذا ونصبوا مقابرهم تاريخيا، أو تربهم، في ساحتين: ترب الاسلام وترب المسيحية، وما زالت التسمية إلى يومنا.وعندما انتقلت مقابر المسيحيين العام ١٨٧٥ م. إلى أرض خارج الخندق ، إلى حدود المدينة الجنوبية ، تبرّع بها سمعان يعقوب كرم، عمد المسلمون إلى نقل مقابرهم أيضا إلى جانب مقابر جيرانهم، ليؤكدوا وحدة أهل الميناء في الحياة والموت.



رمضانيات ١٠ حزيران ٢٠١٧


...كما أن الآية القرآنية الكريمة "ادخلوها بسلامٍ آمنينَ"،التي اقترح بعضهم رفعها في ساحة عبد الحميد كرامي، اقتبسها يومها في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي سنة 1810م، خلال زيارته لطرابلس، ابن دير القمر الشاعر نقولا الترك قائلا:
حبّذا الفيحاءُ أهنَا كلِّ نادِ.
والحمى المعمورِ والركنِ الحصينْ
كتبَ السعدُ عليها: يا عبادِ
ادخلوها بسلام آمنينْ
من كتابي إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان، ص 116



رمضانيات ٩ حزيران ٢٠١٧


جميل دنيا، ابن الميناء العتيقة، توفي اليوم ، وقد ارتحل إلى فنزويلا منذ أربعينيات القرن الماضي، وقد بلغ من العمر عتيا. لكن رغم غربته الطويلة، ورغم غناه الكبير، كان يطلّ على الحيّ الذي ولد فيه في زقاق الطاحون في قلب الميناء، ما بين أذان الجامع العالي وجرس كنيسة مار جرجس التي أحبها، ليقبّل حجارة بيته الأبوي، ويتذكر جريه في الأزقة المقدسة. كلّما جالسه أحد حدّثه عن الميناء البحرية التي سكنت عقله وقلبه، وعن أهلها المالحين، وعن أزقة ظلّت مبحرة في شوقه وذكرياته. أخيرا حطّت سفينته في المرفأ الأليف بسلام. جميل دنيا: جاب الدنيا، ولم ينس جميل الحياة الواحدة في الميناء عليه.



رمضانيات ٧ حزيران ٢٠١٧


...من أطلق على طرابلس لقب مدينة العلم والعلماء، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي حوالي سنة 1850م ، هو أحد مؤسسي الجامعة الأميركية الذي ترجم الكتاب المقدس إلى العربية البروتستانتي المستعرب المستشرق كرنيليوس فان ديك، كما يقول جرجس يني في تنويهه بكتاب تراجم علماء طرابلس وأدبائها لعبدالله نوفل، ما يدلّ على عروبة هذه المدينة وعالميتها ومسكونيتها، وعلى أنها مدينة خارقة بحضورها المتمايز الألوان والمذاهب والسياسات.
من كتابي: إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان، ص 116



رمضانيات ٦ حزيران ٢٠١٧


... نلاحظ في صورة تعود إلى العهد العثماني،( والصورة معلّقة في مكتبة بلدية الميناء العامة- بور سعيد) نخبة من أعيان الميناء وقادتها، منهم إبراهيم حبيب (1857-1947) في الصف الأول، وعلى صدره إشارة الصليب تبدو بشكل علني، على لباسه الرسمي، دون أن تثير حفيظة أحد. هذه هي الميناء تعيش يومياتها بعفوية، وتسبق عصر ما اصطلح على تسميته بعصر حوار الحضارات.
من كتابي: المطران جورج خضر أديب المقالة وأسقف العربية، ص34



رمضانيات ٥ حزيران ٢٠١٧


... أعلن وفد كنيسة الأرمن الأرثوذكس في الشمال، وغالبية أبنائها الساحقة من الميناء، أثناء زيارته لتهنئة مفتي طرابلس الجديد سماحة الشيخ مالك الشعار( العام ٢٠٠٨) :" أنّ لا مطران لنا في طرابلس، ولتكن سماحتك مشرفًا على شؤوننا، لثقتنا بك، وبنهجك وباسلوبك"، وكيلا يبقى هذا الموقف بروتوكوليا، أعلن الوفد الأرمني ذلك امام الصحف ووسائل الإعلام.
من كتابي: المطران جورج خضر أديب المقالة وأسقف العربية، ص33



رمضانيات ٥ حزيران ٢٠١٧


..... العام 1991 قام نواب طرابلس، في عهد رئيس الحكومة حينها المرحوم عمر كرامي، بتجديد عضوية مجالس البلديات في لبنان، فلم يعارض، بنظرته السياسية الثاقبة، اقتراح رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، الواعي والحريص على تاريخ الميناء ومستقبلها، تظهير صورة الميناء الحضارية، في استشراف للمستقبل ولهوية نسيج الميناء الأهلي ، فتمّ تعيين 14 مواطنًّا لعضوية المجلس البلدي كالآتي: 7 أعضاء من الطائفة السنية و7 من الطائفة المسيحية (5 أرثوذكس وعضو ماروني وعضو أرمني) تعبيرًا عن هويّة الميناء التاريخية وتأكيدًا على متانة ووحدة عيش الميناء الواحد.
من كتابي: المطران جورج خضر أديب المقالة وأسقف العربية، ص38 .
للتاريخ والذكرى: أعضاء المجلس البلدي المذكور: مرسوم 1816 عام 1991: الرئيس عبد القادر علم الدين – نائب الرئيس: نعيم خرياطي- الأعضاء: حسن عيسى-جان شينا- جورج عبد-مصطفى حولا- عزت كبارة- بشارة كرم- فاهي هرمنديان- بشير الزين- حبيب فلاح- سمير مشرف- جان توما- نبيل حبيب.



رمضانيات ٤ حزيران ٢٠١٧


... عن دور مدرسة مار إلياس، يقول الشيخ ناصر الصالح:" كان مدير المدرسة مكاريوس موسى (توفي 1964)، يؤمن للتلاميذ المسلمين أداء صلاة الجمعة في مسجد الميناء الكبير، يصحبهم بنفسه، أو يرسل معهم أحد المدرسين، وكان كلّ طلبة صفّنا يحضرون دروس الدّين، دون حرج، وكان مدرّس الدين يومئذ الأب جورج خضر".
من كتابي: المطران جورج خضر أديب المقالة وأسقف العربية، ص33



رمضانيات ٣ حزيران ٢٠١٧


...لعلّ ذاكرة ابناء الميناء العتيقة وأرشيفها تبينان مهارة اليد الحرفية الميناوية حينها وفق الأساليب العمرانية القديمة، كبناء القناطر وحجارة الزوايا وغيرها، كما يظهر واضحًا تداخل العمال من مختلف الطوائف في العمل لأنّ المهم هو الحرفة المتقنة. فها هو كبير البنّائين (شيخ المعمرجيّة) أنطون الكيك (1885-1981) (وهو لقب موثّق من رئيس بلدية الميناء عبد الستار علم الدين في الثلاثينيات، يبني الجزء المزيد على مئذنة الجامع الحميدي، والمعلّم جرجي توما (1882- 1932) وعماله يشتغلون بجامع الأيوبيين في الثلاثينيات في الحارة الجديدة، دون أن يشعر هؤلاء الحرفيون أنّ نتاج مواهبهم العمرانية حكر على أبنيتهم، أو أحيائهم، أو طوائفهم.
من كتابي إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان، ص 67



رمضانيات ٣ حزيران ٢٠١٧


...."أبو نظام الحلبي" ، ابن الشوف، من بني معروف، الدركي العتيق في مخفر بلدية الميناء، في الستينيات، الساكن في بيت أرضي مع حديقة خلفية، كان رفيق الناس وجار الرضى للعائلات المسيحية المتجاورة سكنًا. لم يزعج أحدًا ولم يزعجه أحد. علّم أولاده في مدرسة مار إلياس متفوقين، وعاد بعد انتهاء خدمته إلى دياره. عصفت الحرب، راحت الطرق، تفرّق الناس. ولما صارت الطريق سالكة آمنة، قصد حيّه وأحباءه وجيرانه: بيت عرب ودبس والشماس وقطرة وأروادي وغيرهم، وجدهم على محبتهم الأولى له وعفويتهم الأولى. تفقّد حديقة عمره، حفر اسمه على رمل تنكات الزهر، فمحا مطر الرحيل اسمه، ولكنه أزهر في قلوب من عرفه نسيجًا وطنيا، "نظامًا" و"حسامًا" و"هيامًا"، تمايزت به الميناء، وبه تفخر.



رمضانيات ٢ حزيران ٢٠١٧


... كما ترى المسيحي، ابن الميناء، يوقف الأوقاف إلى المساجد إذ ورد في وقفية الذمّي طنوس ولد الذمّي سليمان نادر من نصارى الأسكلة ( أي الميناء)، صادرة في 14 محرم سنة 1269هـ، ما يلي:" فإذا مات الواقف المرقوم عن غير ذرية وانقطعت ذريته فتكون الدارة المذكورة بحقوقها وتوابعها عدا المطبخ المذكور وقفًا على مصالح جامع الخطبة بأسكلة طرابلس الشام المعمورة بذكر الله، فإذا تعذر ذلك والعياذ بالله فيكون وقفًا على فقراء الأسكلة".
من كتابي: المطران جورج خضر أديب المقالة وأسقف العربية، ص29



رمضانيات ١ حزيران ٢٠١٧


... في الميناء تجد بوضوح التعاون الأهلي والتعاضد والتناصر حتى ساد القول السائر:" ابن مينتي" فترى المسيحيين يتبرعون ماليا لبناء مسجد عمر بن الخطاب العام 1967، كما ورد في دفتر التبرعات الصادر عن لجنة بناء الجامع، وترى المسلمين يسهمون يدويًّا بترميم الكنائس، كما جرى في بناء كنيسة النبي إلياس، زمن الاقتتال الأهلي في جبل لبنان العام 1861ـ بعد عاصفة بحرية كادت تودي بحياة صيادي الاسفنج، ولعلّ هذا التكاتف هو وليد ملح البحر، والسعي المشترك لاصطياد لقمة العيش من قعر البحر.من مداخلتي في مؤتمر طرابلس(عيش واحد)(2009) من كتابي: إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان



رمضانيات ٣١ ايار ٢٠١٧


... ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، طبيب شعبي التفّ حوله أبناء الميناء، يداوي فقراءهم، يبلسم جراح الكلّ دون تمييز في الدين أو اللون، هو الطبيب يعقوب لبان (1887-1968) إذ خرجت الميناء،بشبابها وشيبها، في وداعه، وأصرّ أهل الميناء على جمع التبرعات لإقامة نصب له، تكريمًا لخدمته التي لم تميّز بين الناس في المدينة البحرية فرفعوا له تمثالا العام 1971. من مداخلتي في مؤتمر طرابلس(عيش واحد)(2009)



رمضانيات ٣٠ ايار ٢٠١٧


...أخبرته أمّه أنَّ الريّس "أبي محمد سرحان" ، شريك والده الراحل في مركب الصيد، كان يأتيها، في غيبته، كل اسبوع بغلّة الصيد البحري في مركب الصيد:"وحياة المسيح ، يا ابني، لم يأكل عليّ قرشًا واحدًا طيلة السنوات الثلاث الفائتة". تساءل"نجيب" عمّا يجمع بين خوري"لارنكا" الذي آواه في غربته وبين أبي محمد؟ وهما على مسافة بحريّة كبيرة، وعلى إيمان مختلف؟ أيقن" نجيب" أنّ وجه الإنسان، في النهاية، هو مرتجى المؤمنين والناهدين إلى رحمة ربّهم".
من روايتي"قناديل البحر" ص 75.



رمضانيات ٢٩ ايار ٢٠١٧


أين الست فاطمة؟ وأين الست "منّة"؟. الأولى في حارة المسلمين، والثانية في حارة النصارى. كنا نتقاسم الدوام هنا وهناك. خوجاية الأولى ( Garderie بلغة اليوم)مربّع وبيت خلاء. خوجاية الثانية مربّع أيضًا وبيت خلاء، إضافة إلى حديقة فيها تينة وارفة وياسمين وازدرخت. على جذوع التينة حفرنا أسماءنا، وتحت الحصى خبأنا أشياءنا. بين الحجارة العتيقة وشقوق الجدران القديمة وضعنا قصاصات ورق حملت أسماء المحبين قبل أن يهجم الباطون والخفّان ويسرق الأحلام والطفولة.كنا نتنقل بين الخوجايات كعصافير تبحث عن حبّات العناقيد في وهج الشمس. وحدها محبة الست فاطمة والست منّة كانت الواحة في صحارى وحدة طفولتنا وفراغها قبل أن تزيد التكنولوجيا من وحدة أولادنا.
من كتابي يوميات مدينة ص٣٢



رمضانيات ٢٨ ايار ٢٠١٧


...حين قامت الحرب اللبنانية ولم تقعد العام ١٩٧٥، وانتشرت فيها الحواجز الطائفية، لم يغيّر أبو جورج خطّ سيره الصباحي، قبيل انبلاج الضوء. ظلّ يعبر حي المدينة الإسلامي، في المدينة البحرية، ليصل إلى فاخورته، مع أنه كان بإمكانه استعمال طريق أخرى، لكنه بقي على عهده يلقي، يوميا، السلام الصباحي على أبي محمد وأبي مصطفى وغيرهما. من حينها صار أبو جورج يرى في الفخار لونًا جديدًا وعرف كيف يُصنع الوطن كالفخار بأيدي المؤمنين ولا تقوى عليه أبواب الشرّ. لذا لم يتردد أبو جورج عندما قرر أن ينتقل إلى بيت جديد، وقد صار بيته القديم بحاجة إلى إصلاح، في أن يشتري، وفي زمن الحرب، شقّة في منطقة تسكنها أكثرية مسلمة. كان مؤمنا إيمانًا لا يحيد عنه .إنه إيمان العارفين بأنّ حبّ الآخر يقيم مواجهة لا يتقن الحديث فيها، إلا من عاش مع غيره بانفتاح وقدرة على التفهم والوضوح.
من كتابي يوميات مدينة ص٩٤



رمضانيات ٢٧ ايار ٢٠١٧


.... أبو مصطفى (٢)
كان من المؤمنين المستنيرين، كان يعرف في قرارة نفسه أن الله تعالى أوصاه بالحفاظ وصون من آل إليه تمسكًا وحبًّا. لذا وفّقه الله سبحانه في تجارته، وهو الأمي غير القادر على فكّ الحرف، ولكنه كان قادرًا على فهم ما يفعله، على عكس الكثيرين من المعتقدين أنهم قادرون على فكّ الحرف وحلّ طلاسمه. أخذنا من إيمان أبي مصطفى وسواه من الطيبين انفتاحًا لم يتيسّر لكثيرين، وصرنا نعرف مواقيت الصلاة عند المسلمين، وأنّ الليل هو تنهّد المصلّين وانحناءات الضارعين في العتمات إلى إله النور لكي يتنزّل بركاته على البسطاء والوافدين إليه من معارج الشوق، وصرنا كلّما دعينا إلى إفطار رمضاني صمنا النهار كلّه.
من كتابي يوميات مدينة ص١٠١



رمضانيات ٢٦ ايار ٢٠١٧


...كلّما صدح أذان الصباح تذكرت أبا مصطفى، وتذكرت سجادة صلاته المقدّسة. أذكره حين دعته عائلتي إلى مشاهدة فيلم" الرسالة" في منزلنا، وكانت آلة عرض الفيديو في أول ظهورها أوائل السبعينيات، يومها وفد مع عائلته الكبيرة وافترشنا جميعا الأرض، لنشاهد فيلمًا دينيا في صمت مطبق. أذكره متمتمًا " الله أكبر" كلّما نال مشهد استحسانه وكنت أراقب حركات شفتيه تهذّ بآيات بيّنات.عند انتهاء الفيلم رأيته يقوم مع عائلته، يمارسون الوضوء منسحبين إلى ركن هادىء في الدار يصلّون ويبتهلون. من وقتها شعرت بأنّ ركنًا من الحجارة في منزلنا ماد، وصار باتجاه القبلة المباركة، ومن يومها أيقنت أنّ المصطفى يلهم أحباءه وأنّ الإيمان تراه في أعين اللاهجين بربّهم خدمة وبذلاً.
مقطع من كتابي "يوميات مدينة" ص ١٠١



رمضانيات ٢٦ ايار ٢٠١٧


"...كان بيت لطيفة ونظلة الفرّان، المقطوعتين من شجرة، في زقاق" نصف برطاشة" ملتقى أحبة الحي. ففي الأعياد كانت اللقاءات والتهاني في دارهما، وفي أمسيّات رمضان كانت نساء الحي المسلمات لا يُفطرن ألا بعد أن يتأكدن من أنّ لطيفة ونظلة تناولتا زاد رمضان الواصل إليهما ساخنًا من احبّتهم في الحي. كانت لطيفة ونظلة المسيحيتان في حي يقطنه مسلمون كقنديلين رمضانيين، وسعي للشهادة للميناء التي لم تعرف إلا المودّة والمعاملة وجمالات الله في المساكين. كان المسحراتي يوقظنا جميعا في رمضان بإيقاعه الحلو وصوته الشجي، وكانت أمسياتنا الرمضانية وما زالت تعبيرًا عن وحدة حال ووحدة عيش".
من كتابي "يوميات مدينة"، ص٧٣ (من ذكريات العام ١٩٦٥)